الخميس، 4 ربيع الأول 1439 - Thursday, 23 November 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  هل طلب الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه في اليوم العاشر الذهاب إلى يزيد للبيعة؟  
بقلم: الشيخ وسام البلداوي  
  التقاء الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه بعمر بن سعد عدة مرات قبل المعركة  
بقي الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأهل بيته وأطفاله وأصحابه في كربلاء تحت طائلة الحصار ستة أيام امتدت من اليوم الثالث من شهر محرم حينما ورد عليه عمر بن سعد لعنه الله، واستمر إلى يوم العاشر، حيث دارت معركة الحق مع الباطل.

وقد التقى الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وخلال هذه الأيام الستة عدة مرات بعمر بن سعد لعنه الله، وقد حاول صلوات الله وسلامه عليه من خلالها ثنيه عن القتال ونصرة عبيد الله بن مرجانة لعنه الله وطاعة، قال ابن الأثير: (التقى الحسين وعمر بن سعد مرارا ثلاثا أو أربعا)1.

وعن (هانئ بن ثبيت الحضرمي وكان قد شهد قتل الحسين قال: بعث الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري أن ألقني الليل بين عسكري وعسكرك قال فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارسا وأقبل حسين في مثل ذلك فلما التقوا أمر حسين أصحابه أن يتنحوا عنه وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك قال فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ولا كلامهما فتكلما فأطالا حتى ذهب من الليل هزيع ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره بأصحابه)2.

وفي رواية البحار للعلامة المجلسي قدس الله روحه ان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لم يكن وحده مع عمر بن سعد لعنه الله، حيث حكى قصة اللقاء بقوله: (ثم أرسل الحسين إلى عمر بن سعد لعنه الله: أني أريد أن أكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين عليه السلام أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه أخوه العباس، وابنه علي الأكبر، وأمر عمر بن سعد وأصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له)3.

  اختلاف المؤرخين حول المواضيع التي كانت تدور بينهما  
وقد وقع الاختلاف بين المؤرخين حول المواضيع التي تناولها الطرفان عند الاجتماع، فكتب السنة مجمعة على ان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه طلب من عمر بن سعد ثلاثة أشياء هي كما قال الطبري: (وتحدث الناس فيما بينهما ظنا يظنونه أن حسينا قال لعمر بن سعد اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين قال عمر إذن تهدم داري قال أنا أبنيها لك قال إذن تؤخذ ضياعي قال إذن أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز قال فتكره ذلك عمر قال فتحدث الناس بذلك وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه)4.

وابن كثير زاد على كلام الطبري ما نصه: (وقال بعضهم: بل سأل منه إما أن يذهبا إلى يزيد، أو يتركه يرجع إلى الحجاز أو يذهب إلى بعض الثغور فيقاتل الترك)5.

وروى ابن الأثير ما قاله الناس بشكل آخر بقوله: (وقيل بل قال له اختاروا مني واحدة من ثلاث إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبين رأيه وإما أن تسيروا بي إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعليّ ما عليهم)6.

أما البري فقد جزم بصدور هذه المطالب من الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، حيث انه لم يروها بصيغة قال الناس، أو تحدث الناس، أو غير ذلك كما فعل غيره، فروى القصة كالتالي: (فأتاه عمر بن سعد فقال: ما هذا المسير يا أبا عبد الله ؟ قال: سرت إلى قوم غروني بكتبهم، ولا مرد للقضاء. وإني أسأل منكم إحدى ثلاث خلال: إما أن تتركوني أرجع من حيث جئت. وإما أن تخلوا بيني وبين الطريق إلى الأعاجم، أقاتل فيهم حتى أموت، وإما أن أسير إلى يزيد فأضع يدي في يده)7.

فرواياتهم تكاد مجمعة على ان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد طلب من عمر بن سعد ثلاثة أشياء هي:

  1:   أن يرجع إلى المدينة.
  2:   أن يذهب هو أو يذهبوا به إلى ثغر من ثغور المسلمين فيقاتل فيه الكفار حتى يقتل أو شيء من هذا القبيل.
  3:   أن يتركوه يذهب إلى يزيد يضع يده في يده فيبايعه أو يرى فيه رأيه.


والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا هو: أمن المعقول أن يطلب الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من عمر بن سعد لعنه الله أن ينطلقا معاً إلى يزيد بن معاوية ليصير تحت حكمه ورحمته؟

أو أن يسيروه إلى ثغر من الثغور فيقاتل الترك؟ أو يكون كأحد أهلها له ما لهم وعليه ما عليهم؟

وهل يعقل أن يتوسل إليهم الإمام صلوات الله وسلامه عليه بان يتركوه يرجع، لأنه صلوات الله وسلامه عليه اكتشف حين محاصرته بان أهل العراق قد خدعوه وغروه حتى صار يدعو آنذاك بقوله: (اللهم إن أهل العراق غروني، وخدعوني، وصنعوا بأخي ما صنعوا)8-9؟

أم ان هذه المقولات إنما جاءت ضمن خطة مدروسة للقضاء على الثورة الحسينية إعلاميا؟ وهذا ما سنعرفه في الفقرات اللاحقة.

  الشروط المزعومة هي في مصلحة عمر بن سعد دون الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه  
لقد قمت باستقراء النصوص المتوفرة بين يدي والتي تحدثت عن مسألة لقاء الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه بعمر بن سعد لعنه الله وما جرى بينهما من كلام فوجدت أن المصادر السنية المعتمد عليها عندهم أجمعت على ان اللقاء الذي انعقد لم يضم سوى شخصين فقط هما كل من الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وعمر بن سعد لعنه الله، وان جميع من كان معهما قد تنحى جانبا بحيث لا يسمعون أصواتهما ولا كلامهما، مما يعني ان أحد الطرفين هو الذي أخرج هذه المقولة المكذوبة.

ولكن أي الطرفين من مصلحته ان تتحقق هذه الشروط الثلاثة أو واحدا منها، وبقليل من التدبر أو التأمل نجد بان عمر بن سعد لعنه الله هو المستفيد الوحيد من وقوع أحد هذه الشروط، لان من سمات عمر بن سعد لعنه الله الشخصية انه كان محبا للمنصب، كما قال عنه ابن كثير: (وكان عمر بن سعد هذا يحب الإمارة، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير السرية التي قتلت الحسين بن علي رضي الله عنه)10.

وبلغ من طمعه انه رضي بقتل سيد شباب أهل الجنة من اجل ملك الري، فتحقيق احد تلك الشروط الثلاثة كان كافيا لوصوله إلى مطمعه، من دون حاجة إلى تجشم العناء في خوض معركة ربما تكون في غير صالحه، فهو يريد أن يزيل هذه العقبة التي تحول دون وصوله لملك الري بصورة سلمية، وبأسرع وقت ممكن.

أما بالنسبة للإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه فقد كان القبول ببيعة يزيد، أو الذهاب إليه، أو الفرار إلى احد الثغور ليقاتل فيها حتى يقتل، معناه التنازل الصريح والامتهان الواضح والذلة التي لا ريب فيها، وكل هذه الشروط المزعومة تضر وتسيء إلى شخص الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وثورته وشعاراته التي رفعها منذ خروجه من مكة إلى حين استشهاده صلوات الله وسلامه عليه.

وعليه فليس من مصلحة الإمام الحسين ان يخرج هذه الفرية على نفسه، وان المستفيد من إخراج هذه الفرية هو عمر بن سعد لعنه الله وحده.

  الناس قد تحدثوا بالشروط دون أن يعلموها يقينا  
والنصوص السابقة التي ذكرناها تؤكد على ان أساس دعوى استسلام الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ليزيد لعنه الله هي إشاعة بثتها السلطة الأموية في الناس، شأنها شأن باقي الإشاعات التي كانت تُبَثّ يومئذ بين الناس بهدف تشويه الوجه المشرق للثورة الحسينية والقائمين عليها.

والدليل على كونها مجرد إشاعة قول الطبري السالف الذكر: (وتحدث الناس فيما بينهما ظنا يظنونه أن حسينا قال لعمر بن سعد اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين قال عمر إذن تهدم داري قال أنا أبنيها لك قال إذن تؤخذ ضياعي قال إذن أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز قال فتكره ذلك عمر قال فتحدث الناس بذلك وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه)11، وهو نص صريح بان الناس هم الذين تحدثوا وليس الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه أو احد أفراد جيشه، وان حديث الناس لم يكن عن علم ويقين وإنما كان نابعاً من ظن كانوا يظنونه، فمصدر الإشاعة إذن هو الناس الذين كانوا في الجيش المعادي، ومستندهم كما رأينا الظن وهو لا يغني عن الحق شيئا.

  حاشى الإمام الحسين عليه السلام أن يترك حرمه وعياله ويذهب ليزيد وحده  
حاولت النصوص التي نقلت هذه الفرية العظيمة وبالخصوص النص الذي نقله الطبري وقوله: (اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين قال عمر إذن تهدم داري قال أنا أبنيها لك...) تصوير الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه بأنه إنسان لا مبالي وانه لا يهتم إلا إلى نجاة نفسه حاشاه من كل هذه الأكاذيب.

فالإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لم يكن في كربلاء وحيدا حتى يقول ذلك لعمر بن سعد لعنه الله، بل كان معه أخوته وأخواته وزوجاته وأبناؤه وأصحابه، فكيف يعقل أن يترك الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه كل هؤلاء؟! وكيف يتجاهلهم ولا يفكر بسلامتهم؟! وكيف يقرر أن يهرب إلى يزيد ويترك جميع من كان بصحبته عرضة للأذى والاعتداء والاضطهاد؟! فكل هذه الأمور مستحيلة يبطلها الوجدان قبل البرهان، لان سيرة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه العملية سواء في اليوم العاشر من المحرم أو قبله، تؤكد بما لا يقبل الشك على انه كان احرص الناس على مراعاة أهل بيته وحرمه وأصحابه وحمايتهم وحفظهم، والشواهد على هذه الحقيقة كثيرة مشهورة لا تحتاج إلى برهان.
إذن فهذا وجه آخر من وجوه بطلان هذه الفرية الأموية.

  لو كان الإمام صلوات الله وسلامه عليه يريد البيعة ليزيد لبايع وهو في المدينة  
أضف إلى ذلك ان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لو كان في نيته أن يبايع ليزيد بن معاوية لعنه الله لما تجشم عناء الخروج من المدينة، ولبايع من أول يوم، لأنه حينئذ سوف لن يدفع القتل عن نفسه وعن أهل بيته فحسب بل كان سيحظى ببيعته هذه بمنزلة ومكانة خاصة عند يزيد والأمويين، لان بيعته صلوات الله وسلامه عليه معناها إعطاء الشرعية ليزيد لعنه الله، وان بيعته ستؤدي إلى أن يبايع ليزيد جميع بني هاشم تبعا للإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وقريش تبعا لبني هاشم وجميع أهل المدينة تبعا لقريش، وبيعة تحمل كل هذه الأهمية كان يزيد والأمويون على استعداد أن يبذلوا الغالي والنفيس من اجل تحقيقها لو كان لتحقيقها سبيل.

  شاهد رافق الإمام صلوات الله وسلامه عليه من المدينة إلى كربلاء يكذب هذه الشروط  
كان عقبة بن سمعان عبداً مملوكاً للرباب زوجة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، صحب الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه من حين خروجه من بيته في المدينة المنورة، إلى حين انتهاء المعركة، وبعد انتهاء فاجعة عاشوراء أخذ أسيرا إلى عمر بن سعد لعنه الله، فأراد قتله، ولكنه اعتذر إليه بأنه عبد مملوك لا يملك حيلة دون الحضور مع الرباب رضوان الله تعالى عليها، فخلى عمر بن سعد سبيله، قال الطبري: (أخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان وكان مولى للرباب بنت امرئ القيس الكلبية وهى أم سكينة بنت الحسين فقال له ما أنت قال أنا عبد مملوك فخلى سبيله فلم ينج منهم أحد غيره)12.

وعليه فيكون عقبة بن سمعان شاهد عيان رافق الحدث من بداية صدوره إلى انتهاء حصوله، وقد نقل الكثير من الأخبار التي وقعت سواء في الطريق إلى كربلاء، أو في كربلاء قبل قيام الحرب وأثنائها وبعدها، وقد كان في موضع يتيح له الاطلاع على تفاصيل ما يقع وما يقال، فمن الطبيعي أن تكون لشهادة مثل هذا الشخص أهمية عظمى من حيث الإثبات التاريخي.

وقد أكد عقبة بن سمعان هذا على كذب ما زعموه من ان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد طلب من عمر بن سعد لعنه الله أن يذهب إلى يزيد ليضع يده في يده، أو أن يسيروه إلى ثغر من الثغور يقاتل حتى يقتل، قال الطبري: (عن عقبة بن سمعان قال صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس)13.

وقال ابن الأثير: (صحبت ــ الحسين ــ من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وسمعت جميع مخاطباته الناس إلى يوم مقتله فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر به الناس من أنه يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس فلم يفعلوا)14.

وعن ابن كثير قال: (عن عقبة بن سمعان. قال: لقد صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل، والله ما من كلمة قالها في موطن إلا وقد سمعتها، وإنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده إلى يده، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور، ولكن طلب منهم أحد أمرين، إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه)15.

وهنالك مستند تاريخي آخر يؤكد كلام عقبة بن سمعان السابق، فقد ورد كتاب من عمر بن سعد لعنه الله إلى عبيد الله بن زياد لعنه الله يخبره فيه عن لقائه بالإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ويذكر فيه ما دار بينهما من حوار ولم يكن في الكتاب ذكر لمطالبة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه بإرساله وتسييره إلى يزيد ليضع يده في يده، أو بعثه إلى ثغر من الثغور ليقاتل الديلم أو الترك حتى يقتل كما زعموا، فعن الطبري: (عن حسان بن فائد بن بكر العبسي قال أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فأني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه، وماذا يطلب ويسأل فقال كتب إلى أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم فسألوني القدوم ففعلت فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم، فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال:

الآن إذ علقت مخالبنا به *** يرجو النجاة ولات حين مناص)16.

وفي نص آخر عن الطبري أيضا قال: (فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فقال له ويحك يا قرة الق حسينا فسله ما جاء به؟ وماذا يريد؟ قال: فأتاه قرة بن قيس فلما رآه الحسين مقبلا قال: أتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مظاهر نعم هذا رجل من حنظلة تميمي وهو ابن أختنا ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي وما كنت أراه يشهد هذا المشهد، قال: فجاء حتى سلم على الحسين وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له فقال الحسين كتب إلى أهل مصركم هذا أن أقدم فأما إذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم)17.

  ما هي حقيقة المطالب التي أرادها الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه؟  
ومن خلال تتبعي للنصوص التاريخية المتعلقة بهذه المسألة، وجدت أن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه كانت له ستة مطالب، ثلاثة منها كانت قبل المعركة في أثناء حصار الجيش الكافر له ولعياله ولأصحابه صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، وثلاثة مطالب أخرى كانت أثناء المعركة.

فأما التي قبل المعركة فاثنتان منهما قد وردتا في رواية عقبة بن سمعان التي مر ذكرها والتي جاء فيها: (...إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه...)18.

وأما المطلب الثالث فهو دعوته صلوات الله وسلامه عليه لعمر بن سعد بان يكف عن الوقوف موقف المعادي في وجه أهل البيت الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين وان يتحول بالولاء والموقف من جبهة الباطل وحزبه إلى جبهة الحق وحزبه، وتحذيره من العاقبة السيئة التي سيلقاها فيما لو استمر في هذا المسلك، وقد أورد العلامة المجلسي قدس الله روحه هذا الطلب في رواية جاء فيها: (ثم أرسل الحسين إلى عمر بن سعد لعنه الله: أني أريد أن أكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين عليه السلام أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه أخوه العباس، وابنه علي الأكبر، وأمر عمر بن سعد وأصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له. فقال له الحسين عليه السلام: ويلك يا ابن سعد أما تتقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا ابن من علمت ؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي، فإنه أقرب لك إلى الله تعالى، فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري، فقال الحسين عليه السلام: أنا أبنيها لك فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال الحسين عليه السلام: أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز فقال: لي عيال وأخاف عليهم، ثم سكت ولم يجبه إلى شيء فانصرف عنه الحسين عليه السلام، وهو يقول: مالك؟ ذبحك الله على فراشك عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إني لأرجو أن لا تأكل من بر العراق إلا يسيرا فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البر مستهزئا بذلك القول)19.

وأما مطالبه صلوات الله وسلامه عليه في أثناء المعركة فقد رواها الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني: (لما أقبل على عمر بن سعد وقال له: أخيرك في ثلاث خصال. قال: وما هي؟ قال: تتركني حتى ارجع إلى المدينة إلى حرم جدي رسول الله. قال: ما لي إلى ذلك سبيل. قال: أسقوني شربة من الماء فقد نشفت كبدي من الظمأ. فقال: ولا إلى الثانية سبيل. قال: وإن كان لابد من قتلي فليبرز إلي رجل بعد رجل. فقال: ذلك لك. فحمل على القوم...)20.

فلينظر المؤمن الموالي إلى الحقائق كيف تُزَّور، والى الثوابت كيف تُبدَّل، والى الظلم الذي ارتكبه الأمويون وأتباعهم وشيعتهم ومناصروهم إلى يوم الناس هذا، فهم لم يكتفوا بقتل الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وسبي حرمه من بلد إلى بلد وإبادة ذريته في ذلك اليوم الرهيب، حتى حاولوا وبكل جرأة التشكيك في أهدافه ومبررات ثورته ومواقفه ظنا منهم ان هذا الزيف سوف لن يكشف وان الناس سوف لن يعرفوا مخططاتهم التي ما زالت إلى اليوم تحاك وتفترى.

  الهوامش:   
1 : الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 55.
2 : تاريخ الطبري ج 4 ص 312 ــ 313.
3 : بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 44 ص 388 ــ 389.
4 : تاريخ الطبري ج 4 ص 312 ــ 313.
5 : البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 189.
6 : الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 54.
7 : الجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص 43.
8 : يقصد بأخيه مسلم بن عقيل رضوان الله تعالى عليه.
9 : سير أعلام النبلاء للذهبي ج 3 ص 302
10 : البداية والنهاية لابن كثير ج 7 ص 313.
11 : تاريخ الطبري ج 4 ص 312 ــ 313.
12 : تاريخ الطبري ج4 ص347.
13 : نفس المصدر السابق ج4 ص313.
14 : الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 54 ــ 55.
15 : البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص189 ــ 190.
16 : تاريخ الطبري ج4 ص311.
17 : نفس المصدر السابق.
18 : قد مرت مصادر هذه الرواية قبل قليل.
19 : بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 44 ص 388 ــ 389.
20 : من أخلاق الإمام الحسين (ع) لعبد العظيم المهتدي البحراني ص 253 ــ 254، نقلا عن أسرار الشهادة ص409، والمنتخب للطريحي ص439.