الثلاثاء، 5 محرّم 1439 - Tuesday, 26 September 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  أدلة جواز لعن قتلة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين  
بقلم: الشيخ وسام البلداوي  
قد يجد البعض في نفسه بعض الحرج من اللعن الوارد في زيارة عاشوراء وغيرها في حق قتلة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين متناسيا بان أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين لا يلعنون جزافا وان مسلكهم كمسلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومسلك القرآن الكريم الذي لا يلعن إلا من يستحق اللعن، ولا يطرد من الرحمة إلا من أساء وطرد نفسه منها بسوء عمله واختياره، ونستطيع فيما يلي ان نستعرض وعلى عجالة ستة أدلة تدل على جواز لعن قتلة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين وهي كما يلي:

الدليل الأول: القاتل للنفس المؤمنة كافر والكافر يجوز لعنه إجماعا

وفي هذا المعنى آيات كريمة وأحاديث شريفة كثيرة تطبق بأجمعها على ان القاتل للنفس المؤمنة عن عمد وإصرار خارج عن الإيمان داخل في سلك الكفار، ومن هذه النصوص الشريفة ما يلي:

قال الله سبحانه وتعالى:( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)(1) -والخلود في النار لا يكون إلا مع عدم الإيمان، لان المؤمن حتى لو دخل النار فانه لا يخلد فيها، والإيمان في الآخرة لا يقابله إلا الكفر، فمن لم يكن مؤمنا لا يكون إلا كافرا.

وفي الحديث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (من قتل مؤمنا متعمدا فقد كفر بالله)(2).

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا قال: (من أعان على قتل امرئ مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله)(3) واليأس من رحمة الله وروحه لا يكون إلا من صفات الكافرين، قال الله سبحانه:( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)(4)، ويمكن لنا الاستفادة من هذا الحديث بعدة أوجه، منها ان ما ورد في الحديث الشريف هو جزاء لمن أعان على قتل المسلم فيكون القاتل للمسلم مشمولا بالكفر من باب أولى هذا أولا، وثانيا هذا الحديث الشريف لا يجوز لنا لعن القاتل لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين فحسب، بل ويجوز لنا لعن من أعان على قتلهم صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين.

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (أيها الناس لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه)(5).

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وفيما قدمنا كفاية لمتدبر، وبه نستطيع إثبات ان القاتل للنفس المؤمنة عن عمد كافر والكافر يكون مشمولا بقوله سبحانه وتعالى (فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ)فيجوز حينئذ لعن كل قاتل، ويكون أولى الناس باللعن من قتل خيرة المؤمنين وسادة المسلمين وصفوة الناس أجمعين من الأولين والآخرين، فلو كان هنالك وصف أشد من الكفر لما ترددنا في إطلاقه عليهم لعظيم ما جنوه وفداحة ما اقترفوه.

الدليل الثاني: إن قتل أهل البيت إفساد في الأرض والمفسد في الأرض ملعون

قال الله سبحانه وتعالى(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ -22- أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)(6) فبين تعالى ان الإفساد في الأرض يستتبع اللعن والطرد من الرحمة الإلهية، وقد اتفقت الروايات الشريفة على أن القتل هو من مصاديق الإفساد في الأرض، وقد ورد في الحديث الشريف إن السماوات والأرض وما فيهن لا تعدل عند الله سبحانه وتعالى نفساً مظلومة تزهق بباطل.

فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (والذي نفس محمد بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنـيـا)(7). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لزوال الدنيا وما فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق)(8). وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لزوال الدنيا جميعا أهون على الله من دم يسفك بغير حق)(9).

فإذا كان القتل من مصاديق الإفساد في الأرض وموجبا للعن فان قتل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين من اكبر مصاديق ذلك الإفساد وأعظمه، وصاحبه يستحق أغلظ درجات اللعن وأشدها.

وقد يكون للفساد وجه تحقق آخر، وهو أن في قتل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين إفناء وإبادة للأخيار وإبقاء للأشرار والمفسدين، وهو من باب رفع احد النقيضين واثبات الآخر، وهذا الإفناء والإبادة للأخيار وإبقاء الفجار والأشرار من أعظم الفساد في الأرض، والمفسد يصح لعنه والتبرّؤ منه بنص كتاب الله سبحانه وتعالى.

الدليل الثالث: إن في قتلهم نقضا للعهد وقطعا لما أمر الله به أن يوصل

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)(10).

ويمكن أن نتصور لنقض العهد وقطع ما أمر الله سبحانه وتعالى به أن يوصل عدة صور:

ألف: ان القاتل لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين ناقض للعهد الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على العباد، لأنه سبحانه وتعالى قد أمر عباده بحفظ النفس وأَخذ عليهم العهد والميثاق أن لا يقتلوا أنفسهم ولا أولادهم ولا غيرهم من بني جنسهم قال سبحانه وتعالى(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ)(11). وقال سبحانه وتعالى أيضا(وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ)(12) وقال سبحانه وتعالى في آية ثالثة(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)(13) فالقاتل لأهل البيت ناقض لجميع هذه العهود والمواثيق المأخوذة من قبل الله سبحانه وتعالى على عباده وناقض العهد والميثاق يجوز لعنه قال الله سبحانه وتعالى(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)(14).

باء: إن الله سبحانه وتعالى أوجب على الناس مودة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين بقوله:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(15) وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرباه حينما سأله المسلمون: (من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال صلى الله عليه وأله:علي وفاطمة وابناهما)(16) وقاتل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين قاطع لهذه المودة حتما فيكون مشمولا بقوله سبحانه وتعالى(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)(17) فيجوز حينئذ لعنهم لهذه العلة.

جيم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج من الدنيا حتى اخذ على المسلمين العهد والميثاق والبيعة للإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه في يوم غدير خم عند رجوعه من حجة الوداع حيث ارتقى منبرا اعد له وصاح في الناس: ( ...يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. ثم قال: أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون عليّ الحوض، حوض أعرض مما بين بصرى وصنعاء، فيه آنية عدد النجوم قدحان من فضة، وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم فاستمسكوا به، لا تضلوا ولا تبدلوا، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أَنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)(18).

ومهما فهمنا من كلمة الولي فان معانيها تجمع على ضرورة رعاية أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين وحفظ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم الذي هو عهد الله سبحانه وتعالى، والقاتل لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين ناقض لهذا العهد ناكث للميثاق فيكون مشمولا بقول الله سبحانه وتعالى(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)(19).

الدليل الرابع: ان في قتلهم إيذاءً للنبي ومؤذي النبي ملعون

قد اتفقت كلمة المسلمين ومن دون مخالف على ان أذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرام قليله وكثيره، قال الحطاب الرعيني نقلا عن القرطبي في شرح صحيح مسلم: (يحرم علينا كل فعل يؤذيه وإن كان في أصله مباحا لكنه إذا أدى إلى أذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارتفعت الإباحة وحصل التحريم)(20).

وقال الشيخ الطبرسي: (والأذى قد يكون بالفعل، وقد يكون بالقول)(21) ، وقد أفتى علماء العامة قبل الخاصة بكفر من آذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأوجبوا قتله منهم:

ابن حزم حيث قال: ( إن كل من آذى رسول الله صلى الله عليه ــ وآله ــ وسلم فهو كافر مرتد يقتل ولا بد وبالله تعالى التوفيق)(22).

وقال ابن حجر: (إن من آذى النبي صلى الله عليه ــ وإله ــ وسلم بقول أو فعل يقتل)(23).

وقال ابن تيمية: ( من آذى الرسول فقد آذى الله، لان حق الله وحق رسوله متلازمان، وفي هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم و بين ربهم إلا بواسطة الرسول، ليس لأحد منهم طريق غيره، ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله و رسوله في شيء من هذه الأمور)(24).

ودليل الجميع هو قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا)(25) وقوله سبحانه وتعالى(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(26).

ويلزم من حرمة إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرمة إيذاء من يتأذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأذيتهم وقد ثبت على نحو القطع انه صلى الله عليه وآله وسلم يؤذيه ما يؤذي أهل بيته وعترته صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين، فقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (إن الله عز وجل اشتد غضبه على اليهود أن قالوا عزير ابن الله، واشتد غضبه على النصارى أن قالوا المسيح ابن الله، وأن الله اشتد غضبه على من أراق دمي وآذاني في عترتي)(27).

وقد ورد أيضا انه صلى الله عليه وآله وسلم قال في حق ابنته السيدة فاطمة بنت محمد صلوات الله وسلامه عليها: (فاطـمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني)(28).

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في حق أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: (من آذى عليا فقد آذاني)(29). وعن أنس بن مالك قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم راقد في بعض بيوته على قفاه إذ جاء الحسن يدرج حتى قعد على صدر النبي صلى الله عليه وسلم ثم بال على صدره فجئت أميطه عنه فاستنبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ويحك يا أنس دع ثمرة فؤادي فإن من آذى هذا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله)(30).

وقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما من بيت عائشة فمر على فاطمة صلوات الله وسلامه عليها فسمع حسينا يبكي فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني)(31).

فإذا كان بكاء الحسين صلوات الله وسلامه عليه يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يا ترى لو رآه على الرمضاء مقتولا، ورأسه على الرمح مشهورا، يطاف به وبحريمه من بلد إلى بلد. وإذا كان الإمام الحسن صلوات الله وسلامه عليه ثمرة فؤاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤذيه ما يؤذيه فكيف به لو رآه يتلوى من السم يخرج كبده قطعة بعد قطعة، أم ماذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم لو شاهد جنازته صلوات الله وسلامه عليه ترمى بالسهام والحجارة ليس من ذنب إلا لأنه أراد أن يدفن قرب جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،أم كيف يصبر قلبه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يرى المسمار يخترق قلب التقى ويكسر صدر الهدى ويقع في صدر ابنته الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، أم كيف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يتأذى من أمته ولا يلعنها وهو يراها تجرع ابن عمه ووصيه أنواع المحن وألوان الرزايا.

الدليل الخامس: في قتل أهل البيت إيذاء للمؤمنين ومؤذيهم ملعون

قال تعالى(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا)(32) وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من آذى مسلما فقد آذاني ومن آذى مسلما فقد آذى الله)(33) ،وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضا: (من آذى مسلما فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله)(34)، وقد مر في الدليل السابق ان أذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم محرم، وانه من الأفعال التي تستوجب اللعن.

وفي قتل احد أفراد أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين أذى له على المستوى الشخصي، وهو مؤمن ومسلم، بل من سادة المسلمين وخيرة المؤمنين، فيكون أذاه بوصفه واحدا من المسلمين أذى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستحق اللعن.

وفي قتل احد أفراد أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين كذلك أذى لبقية أفراد أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين وهم صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين من المؤمنين فيكون مؤذيهم ملعوناً قد احتمل بهتانا وإثما مبينا.

وفي قتل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين إيذاء لبقية المؤمنين من غير أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين فان نار مصابهم باقية في قلوب المؤمنين منذ يوم مقتلهم إلى يوم الناس هذا بل إلى يوم القيامة، والمتسبب في إيذاء المؤمنين عامة يستحق أشد درجات اللعن والطرد من الرحمة الإلهية.

الدليل السادس: في قتل أهل البيت قطع للأرحام وحكم بغير ما انزل الله

قال سبحانه وتعالى(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ -22- أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)(35) وقال سبحانه وتعالى أيضا (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(36).

وهذه الآيات الكريمة تتحدث عن أولئك الذين يتولون الحكم وإدارة أمور الناس فيستغلون هذه المناصب ليفسدوا في الأرض بالظلم والجور، فتكون إحدى نتائج ظلمهم وفسادهم قطعهم للأرحام وحكمهم بما لم ينزل الله سبحانه وتعالى، فيكون فعلهم هذا مستوجبا للعن والطرد والإبعاد من الرحمة الإلهية.

وقد تقدم ان قتل النفس المحترمة من أوضح مصاديق الظلم والفساد، وأعظم منه قتل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين فيكون فاعله مشمولا بقوله سبحانه وتعالى(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).

والقتل هو أيضا حكم بما لم ينزل الله سبحانه فالله سبحانه وتعالى قد أنزل في شريعته حفظ النفس والرحم ووصلهما وعدم قطيعتهما، وهؤلاء الظالمون قد حكموا على العباد بإزهاق النفوس وقطع الأرحام، فيكون حكمهم غير مطابق لحكم الله سبحانه، فيصح حينئذ لعنهم بهذا السبب.

والقتل أيضا حكم بما لم ينزل الله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه سبحانه قد أنزل في جميع شرائعه وجوب حفظ النفس والرحم ووصلهما وعدم قطيعتهما، فيكون الحكم بقتل أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين من قبل الحكام الظالمين غير مطابق لحكم الله سبحانه وتعالى فيصح حينئذ لعنهم بهذا السبب.

  الهوامش:   
1 : سورة النساء الآية رقم 93.
2 : ميزان الاعتدال للذهبي ج2 ص100، تفسير ابن كثير ج1 ص549، الكامل لابن عدي ج3 ص203 .
3 : مسند أبي يعلى لأبي يعلى الموصلي ج10 ص308.
4 : سورة يوسف الآية رقم 87.
5 : مجمع الزوائد للهيثمي ج6 ص283 باب لا يجني أحد على أحد ولا يؤخذ أحد بجريرة غيره، وقال الهيثمي بعد إيراده: (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح).
6 : سورة محمد الآية 22 .
7 : كنز العمال للمتقي الهندي ج15 ص32 ، الدر المنثور لجلال الدين السيوطي ج2 ص198 ، المجموع لمحيي الدين النووي ح18 ص345 ، مغني المحتاج لمحمد بن احمد الشربيني ج4 ص2 ، إعانة الطالبين للبكري الدمياطي ج4 ص124 .
8 : تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج65 ص193 ، كنز العمال للمتقي الهندي ج15 ص32 .
9 : كنز العمال للمتقي الهندي ج15 ص32 ، الكامل لعبد الله بن عدي ج3 ص145 ، تهذيب الكمال للمزي ج9 ص237 .
10 : سورة الرعد الآية رقم 25 .
11 : سورة البقرة الآية رقم 84 .
12 : سورة الإسراء الآية رقم 33.
13 : سورة المائدة الآية 32.
14 : سورة المائدة الآية رقم 13.
15 : سورة الشورى الآية 23 .
16 : المعجم الكبير للطبراني ، تفسير الكشاف للزمخشري ج3 ص467، تفسير الثعلبي ج8 ص37، شواهد التنزيل للحاكم الحسكـاني ج2 ص194، تفسير النسفي ج4 ص101، تفسير الرازي ج27 ص166، تفسير ابن عربي لابن العربي ج2 ص219، فتح القدير للشوكاني ج4 ص537.
17 : سورة الرعد الآية رقم 25 .
18 : المعجم الكبير للطبراني ج3 ص180، كنز العمال للمتقي الهندي ج1 ص189 وج5 ص289، تاريخ دمشق لابـن عـساكـر ج42 ص220، البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص386.
19 : سورة الرعد الآية رقم 25 .
20 : مواهب الجليل للحطاب الرعيني ج5 ص12 .
21 : تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي ج5 ص79 .
22 : المحلى لابن حزم ج 11 ص 414 .
23 : فتح الباري ابن حجر ج 8 ص 369 .
24 : الصارم المسلول لابن تيميه ص 40-41.
25 : سورة الأحزاب الآية 57 .
26 : سورة التوبة الآية 61 .
27 : الدر المنثور لجلال الدين السيوطي ج3 ص230 ، والكامل في التاريخ لعبد الله بن عدي ج6 ص302 .
28 : المجموع لمحيي الدين النووي ج20 ص244 ، شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج3 ص30 ، السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص202 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص273 .
29 : مسند احمد بن حنبل ج3 ص484، صحيح ابن حبان ج15 ص367، الاستيعاب لابن عبد البر ج3 ص1183، الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي ج2 ص547، التاريخ الكبير للبخاري ج6 ص307، الإصابة لابن حجر ج4 ص534، تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص631.
30 : المعجم الكبير للطبراني ج3 ص43، كنز العمال للمتقي الهندي ج12 ص125.
31 : المعجم الكبير ج3 ص116، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج14 ص171، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص190.
32 : سورة الأحزاب الآية 58 .
33 : تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج42 ص201 .
34 : كنز العمال للمتقي الهندي ج16 ص10 ، الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي ج2 ص547 ، البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص383 .
35 : سورة محمد الآية 22 و23 .
36 : سورة المائدة الآية 44 .
  


  هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟ 
الاسم:
بريدك الالكتروني:
رأيكم الكريم:
تعليقات حول الموضوع:

جزاك الله خير الجزاء وحشرك مع ال بيته صلوات الله عليهم أجمعين. وهل يجوز لعن السنه أيضا الموجودون الان؟
يوسف حسن محمد - السبت 20-12-2010

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما هو أهله وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين.
أخي العزيز لقد بينا ان أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» لا يلعنوا إلا من يستحق اللعن، ولا يطردوا من الرحمة الإلهية إلا من طرد نفسه باختياره، ولعن أهل السنة أو أي إنسان آخر لا يجوز ما لم يرتكب فعلا يستحق عليه اللعن.

وقد ورد الأمر بلعن من شايع وبايع وتابع قتلة أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» على قتلهم وظلمهم، بغض النظر عن كون هذا المشايع والمتابع والناصر كان سنيا أو شيعيا أو بوذيا أو من أي ديانة أخرى، فمن قتلهم ملعون، ومن تابعهم وشايعهم وبايعهم على قتلهم للائمة الأطهار ملعون أيضا، ومن رضي بفعلهم كذلك ملعون.

ولا نقول هذا الكلام من غير دليل فقد أجمعت كلمة أهل السنة قبل الشيعة على حرمة الإعانة على قتل المؤمن والاشتراك في سفك دمه والرضا بفعل الظالمين والمفسدين، وان من أعان ظالما على ظلمه كان شريكه فيه ومن رضي بفعل كافر أو ظالم حشر معه واستحق نفس عقابه، فعن الطبراني عن جابر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل نفس تحشر على هواها فمن هوى الكفر هو مع الكفرة ولا ينفعه عمله شيئا) « المعجم الأوسط للطبراني ج9 ص13، والجامع الصغير لجلال الدين السيوطي ج2 ص288 باب الكاف تحت رقم 363».

وعن ابن عمر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم) « سنن أبي داود لابن الأشعث السجستاني ج2 ص255 باب لبس الصوف والشعر» .
وعن حذيفة يعنى ابن اليمان قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم) « مجمع الزوائد للهيثمي ج 10 ص 271».
وعن ابن مسعود قال: (من رضي عمل قوم كان منهم) «سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الكحلاني ج4 ص175 الحث على الدعاء والتوجه إلى الله في كل المطالب».

وعن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى اله عليه وآله انه قال: (المرء مع من أحب) « مسند احمد بن حنبل ج1 ص392 مسند عبد الله بن مسعود».
وعن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (من أحب عمل قوم خيرا كان أو شرا كان كمن عمله) « مسند الشهاب لابن سلامة ج 1 ص 259».
والأحاديث كما نرى صريحة وواضحة في ان من رضي أو هوى أو أحب أو تشبه بفعل قوم حشر معهم ونالته نفس عقوبتهم، ولم ينفعه إيمانه ولا إسلامه، وعليه فمن رضي بقتل الأئمة الأطهار «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» أو أحبه أو هواه أو تشبه بهم أو بفعلهم حشر معهم واستحق نفس عذابهم في الدنيا والآخرة، وكذلك استحق اللعن والطرد من الرحمة الإلهية التي لا يطرد منها إلا من شقيت نفسه وخسر خسرانا مبينا.

وليست أخي الكريم الأحاديث وحدها التي أشارت إلى هذه الحقيقة فكلمات علماء أهل السنة قبل الشيعة اقروا هذه الحقيقة وأشبعوها بحثا وتنظيرا، فعلى سبيل المثال لا الحصر نستعرض جملة من أقوال علماء أهل السنة لتكون الحجة أبلغ:
قال العظيم آبادي في كتابه عون المعبود: (الرابعة «من تشبه بقوم» قال المناوي والعلقمي: أي تزيا في ظاهره بزيهم، وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم. وقال القاري: أي من شبه نفسه بالكفار مثلا في اللباس وغيره، أو بالفساق أو الفجار أو بأهل التصوف والصلحاء الأبرار «فهو منهم» أي في الإثم والخير قاله القاري. قال العلقمي: أي من تشبه بالصالحين يكرم كما يكرمون، ومن تشبه بالفساق لم يكرم ومن وضع عليه علامة الشرفاء أكرم وإن لم يتحقق شرفه) «عون المعبود للعظيم آبادي ج 11 ص 51 باب لبس الشهرة».

وقال الهيثمي: (...فجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة فمن أعان عليها بفعل أو كلام أو عرض بها أو أعجبه ذلك أو رضيه فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منهم وإذا كانت خطيئة بين المسلمين فمن شهد وكره فهو مثل الغائب ومن غاب ورضي فهو مثل شاهد) « مجمع الزوائد للهيثمي ج 7 ص 77 سورة النور».
وقال ابن حجر: (قوله تعالى {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لان الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم فان أعان أو رضي فهو منهم ) « فتح الباري لابن حجر ج13 ص52».

وقال الكحلاني: (من حديث ابن مسعود من رضي عمل قوم كان منهم والحديث دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو المبتدع في أي شئ مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة) « سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الكحلاني ج 4 ص 175».

ونستطيع من خلال كلمات القوم أن نستنبط: جواز لعن أي إنسان سواء كان شيعيا أو سنيا أو يهوديا أو من أي دين أو مذهب كان فيما لو رضي بفعل قتلة أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم» ولم يتبرأ منهم ومن فعلهم، وان من غاب من الناس عن أحداث قتل أهل البيت «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» ولكنه رضي بفعلهم فان حكمه كحكم من شهد قتلهم وأعان عليهم، فلعن الله من يكون هذا شأنه كائنا من يكون.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة