السبت، 25 جمادى الثاني 1438 - Saturday, 25 March 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  هل سلط الله تعالى على قتلة الإمام الحسين عليه السلام سنين كسني يوسف عليه السلام؟  
بقلم: السيد نبيل الحسني  
تواترت الأخبار التي نقلت لنا وقائع يوم عاشوراء بان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه قد دعا على الذين اجتمعوا على حربه وقتاله بان يسلط الله سبحانه عليهم سنين كسني نبي الله يوسف عليه السلام، ولكن وللان لم يتم بحث هذا الموضوع بشكل مفصل وتحليلي، وهل تحقق فعلا دعاء الإمام الحسين عليه السلام على هؤلاء الظالمين؟ وهل عاش القتلة بعد يوم عاشوراء سني كسني يوسف من حيث القحط والجفاف وارتفاع الأسعار وقلة البركة والجوع وغير ذلك؟.
وهذا البحث مكرس لإثبات كل ذلك من خلال الحركة التاريخية لحوادث أرض السواد أو العراق، وما آلت إليه الحالة الاقتصادية والاجتماعية بعد عام الفاجعة النبوية بقتل ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أرض العراق.

  أولاً: عجز خزينة الدولة وتردي الوضع الاقتصادي  
إنّ المقارنة بين الواردات المالية التي كانت تجبى عام (30) للهجرة وبين عام (132) للهجرة الذي شهد أواخر الدولة الأموية تدل على نفوذ السنن التاريخية (الكونية) في سلوكيات المجتمع المسلم بعد تلك الفاجعة وحسبما حدده الإمام الحسين عليه السلام في حبس الأمطار وانتشار القحط.
ويمكن معرفة ذلك من خلال ما جمعه الدكتور حمدان عبد المجيد من روايات حول تعداد واردات العراق المالية منذ عهد عمر بن الخطاب إلى أواخر الدولة الأموية، فقال: «تتواتر الروايات التاريخية وتصبح أكثر وضوحاً عندما تتناول خراج سواد العراق. ولعل الفضل في ذلك يعود إلى الفقيه أبي يوسف الذي وضع كتابه «الخراج» في وقت مبكر، وضمّنه روايات واضحة ودقيقة وموثقة، عن حكم أراضي الخراج، وأنواعها وعن المبالغ التي جبيت من الأراضي الخراجية. وفي هذا الصدد نقل لنا أبو يوسف رواية ميمون بن مهران التي تبين أن عمر بن الخطاب: «كان يجبي العراق كل سنة مائة ألف ألف أوقية»فضة (راجع الخراج، أبو يوسف: ص114).
فإذا علمنا أن الأوقية كانت، في صدر الإسلام، تساوي أربعين درهماً ــ كما في المكاييل والأوزان الإسلامية لهنتز: ص16ــ تكون موارد العراق (4.000,000,000) درهم. ويرجح أن أبا يوسف قصد بهذا المقدار كل موارد العراق ومن ضمنها الخراج) (راجع الخراج أحكامه ومقاديره، د. حمدان عبد المجيد: ص142).
وتشير الرواية التي أوردها (ابن زنجويه) إلى أن المسؤولين في العراق حملوا من خراج الكوفة في عهد عمر بن الخطاب، أول سنة (ثمانين ألف ألف درهم)، ثم حملوا في السنة التالية (مائة وعشرين مليون درهم) (راجع الخراج أحكامه ومقاديره، د. حمدان عبدالمجيد: ص142).
وذكر اليعقوبي أن الثمانين مليون درهم التي وردت إلى بيت المال في عهد عمر هي موارد خراج السواد. ولم يحدّد في روايته هذه أن الذي حُمل هو من سواد الكوفة أو غيرها. لكنه استدرك في الصفحة التالية؛ فذكر أن عمر بعث إلى والي البصرة أبي موسى الأشعري يطلب منه أن يضع على أراضي البصرة الزراعية، من الخراج، مثل ما وضع عثمان بن حنيف على أراضي الكوفة، (راجع تاريخ اليعقوبي: ج2، ص142).
وهذا ما يؤكد أن الثمانين مليون درهم كانت من سواد الكوفة فقط. ويضيف اليعقوبي أن عثمان بن حنيف استمر يرسل إلى المدينة المنورة، في كل سنة من خراج الكوفة، ما بين عشرين مليون درهم إلى ثلاثين مليون درهم (المصدر السابق: ص143).
وهنا نجد انخفاضاً كبيراً في موارد سواد الكوفة، ولعل ذلك متأتٍّ من كثرة النفقات الراتبة، وحصول تغيير في الوحدات الإدارية.
ومهما يكن من أمر، فإن روايات ابن زنجويه أكّدت أن موارد خراج سواد العراق زادت حتى بلغت مائة وعشرين مليون درهم (راجع الأموال، ابن زنجويه: ج1، ص213).
ويمكن القول: إن الروايات التاريخية تصبح أكثر وضوحاً، وبخاصة عندما أخذت تشير إلى مجمل خراج السواد بحيث لا تجزّئه. فروايات اليعقوبي والماوردي أشارت إلى أن خراج السواد على عهد عمر بن الخطاب بلغ مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم (راجع تاريخ اليعقوبي: ج2، ص221. الأحكام السلطانية، الماوردي: ص175).
في حين أشارت رواية ابن خرداذبة إلى أن خراج السواد بلغ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب مائة وثمانية وعشرين مليون درهم (المسالك والممالك، ابن خرداذبة: ص14 ــ 15). وهذا المقدار متطابق مع ما أوردته رواية ابن حوقل (راجع صورة الأرض، ابن حوقل: ص211).
ورواية ابن رستة (راجع الأعلاق النفسية، ابن رستة: ص105)
ورواية ياقوت (البلدان، ياقوت: ج3، ص178).
ويورد قدامة رواية مخالفة للمقادير المشار إليها آنفاً، إذ يقول: إن وارد السواد بلغ مائة وثلاثين مليون درهم (راجع الخراج، قدامة: ص182).
وذكر الصولي أن جباية السواد بلغت مائة ألف ألف درهم في عهد عثمان بن عفان (راجع أدب الكاتب، الصولي: ص219).
وجباه عبيد الله بن زياد مائة ألف ألف وخمسة وثلاثين ألف ألف درهم، حمل منها إلى معاوية بن أبي سفيان ستة ملايين درهم، وجباه والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي مائة ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف. في حين كانت جباية السواد في عهد عمر بن عبد العزيز، بحسب رواية الماوردي مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم (راجع الأحكام السلطانية، الماوردي: ص175 ــ 176).
بينما أشارت رواية ابن خرداذبة إلى أن موارد جباية السواد في عهد عمر بن عبد العزيز بلغت مائة وأربعة وعشرين مليون درهم (راجع المسالك والممالك، ابن خرداذبة: ص14 ــ 15).
وهذا المقدار يقل بأربعة ملايين درهم عن المبلغ الذي أورده ابن حوقل، الذي ذكر أن جباية السواد في عهد عمر بن عبد العزيز بلغت مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم (راجع صورة الأرض، ابن حوقل: ص211).
ويذكر الماوردي أن الوالي عمر بن هبيرة كان يجْبي من السواد مائة ألف ألف درهم سوى طعام الجند وأرزاق المُقاتلة. وفي أواخر العصر الأموي انخفض وارد السواد بحيث أصبح الوالي يوسف بن عمر الثقفي يجمع منه، في كل سنة، من ستين ألف ألف إلى سبعين ألف ألف درهم، ويحتسب بعطاء مَنْ قَبِلَه من جند أهل الشام ستة عشر ألف ألف، وفي نفقة البريد أربعة آلاف ألف درهم، وفي الطوارق ألف ألف درهم، ويبقى في بيوت الأحداث والعواتق عشرة آلاف ألف درهم (راجع الأحكام السلطانية، الماوردي: ص 175 ــ 176).
وفي رواية عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان التي أوردها (الماوردي) أن وارد السواد كان «ألف ألف ألف ثلاث مرات» عندما كانت الأراضي تُستثمر استثماراً جيداً. (راجع المصدر السابق).
وإذا اعتمدنا الوسط بين الستين والسبعين ألفاً في الرواية السابقة يكون مقدار الخراج في زمن الوالي يوسف بن عمر الثقفي ستة وسبعين مليون درهم. ولعل انفراط حبل الأمن، وانتقال ملكية بعض الأراضي الخراجية إلى المسلمين، ودفع العُشر عنها بدل الخراج، لعل ذلك كله يكون وراء هذا العجز الذي حصل في موارد السواد» (راجع الخراج أحكامه ومقاديره، د. حمدان عبد المجيد الكبيسي: ص 142 ــ 145).
ونقول: إلا أن الباحث لم يضع يده على موضع الجرح في انخفاض الواردات المالية وعجز ميزانية الدولة وتردي الوضع الاقتصادي وانعكاساتها على الوضع الاجتماعي والنفسي للفرد المسلم، فهو لم يلحظ التلازم بين انتهاك حرمة الأنبياء عليهم السلام، وتردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في عرض القرآن والتاريخ للسنن التاريخية التي سلكتها الأمم السالفة في دورة حياتها. فلكل زمن من الأزمنة الغابرة واللاحقة شواهد تجد بعضها تنطق بلسان فصيح لذوي الألباب عن آثار انتهاك الحدود الإلهية مع اختلاف الرؤى والمفاهيم والقراءات لهذه الحوادث، التي لا يمكن أن يغيب عن حاضرها الأثر الغيبي الذي اختلفت مسمياته بين قوى الإله أو قوى السماء أو قوى الطبيعة أو قوى السنن الإلهية التي نؤمن بها وجاء بها القرآن الكريم.
فمثلما ابتليت أمم كثيرة بتردي حالها؛ وانهيار مجتمعاتها بفعل معتقداتها وسلوكياتها المخالفة للحدود والقيم السماوية التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام، فان هذه الأمة قد سلكت تلك المسالك التي أدت بها ــ كما في غيرها ــ إلى المهالك؛ وما قتل نبي الله يحيى عليه السلام وحمل رأسه وإهداؤه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل إلا عاملٌ أساسٌ في قتل بني إسرائيل وتشريدهم وإذلالهم فيما بعد {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (سورة الفتح، الآية: 23).
وما أشبه اليوم بالأمس! فالمسلمون اليوم يقتلون ابن بنت نبيهم، ويحملون رأسه إلى بغي من البغايا وجبار من الجبابرة، فكيف لهم ان ينفلتوا عن العذاب الإلهي، أو أنْ ينجوا من نفوذ السنن الإلهية التي كانت منبعاً للأفعال الصادرة عن هذا الكائن الذي يسمّى الإنسان.
نعم: السبب في عجز ميزانية الدولة وتردي الحالة الاقتصادية والاجتماعية بعد فاجعة الطف كان سببه تحقق سنن الله في خلقه، مثلما تحققت في قوم نوح وصالح ولوط وغيرهم من الأنبياء (سلام الله عليهم أجمعين).

  ثانياً: فرض الضرائب على الناس وتعذيبهم وسجنهم على ذلك  
لم يمضِ عقدان على فاجعة النبوة بقتل ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام (61) للهجرة، حتى أتتْ حكومة بني مروان، لتذيق الناس ــ عرباً وموالي؛ مسلمين وذميين ــ الأمرين، ولاسيما في تولي الحجاج بن يوسف العراق، فقد فرض الضريبة على الناس بالقوة والسلطة ولم يستثنِ أحداً من أشراف العرب أو من وضعائها من الذميين أو الموالي؛ وكان يعذبهم على أخذ الخراج ويسجنهم لدفع الضرائب؛ يدل على ذلك قول يزيد بن المهلب حين أراد سليمان بن عبد الملك أن يوليه العراق وخراجها فقال: «إنّ العراق قد أخرجها الحجاج، وأنا اليوم رجل العراق، ومتى قدمتها وأخذت الناس بالخراج وعذبتهم على ذلك، صرت مثل الحجاج وأعدت عليهم السجون وما عافاهم الله منه، ومتى لم آت سليمان ــ بن عبد الملك بن مروان ــ بمثل ما كان الحجاج أتى به لم يقبل مني» فامتنع عن تولي إمارة العراق (راجع الكامل في التاريخ لابن أثير: ج5، ص23. وفيات الأعيان لابن خلكان: ج6، ص296).

  ثالثاً: فرار المسلمين من القرى الزراعية إلى المدن بسبب الضرائب وعجزهم عن دفعها  
تشير إحدى النصوص التاريخية إلى هجرة الموالين من الفرس بعد إسلامهم من أرض السواد، أي الأراضي الزراعية وانتقالهم إلى المدن الإسلامية الأخرى.
فقد روى الطبري عن أبي شوذب «أن عمال الحجاج كتبوا إليه: إن الخراج قد انكسر وان أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار» (راجع تاريخ الطبري: ج5، ص182. الكافي في التاريخ لابن أثير: ج4، ص365).
وتكشف هذه الرواية عن سوء أحوال الزراعة في العراق، بسبب ما تفرضه الدولة من ضرائب على الفلاحين، مما أدى إلى عجزهم عن تسديد هذه الضرائب وما يخلفها من تعذيب وسجن، ففضلوا الهروب إلى المدن فانخفضت بذلك الأموال التي كانت تجبى من أرض العراق.

  رابعاً: فرض الدولة الجزية على أهل الذمة حتى بعد إسلامهم مع مخالفة ذلك للقرآن  
من الشواهد التي أظهرت تردي الأوضاع في العراق، فكانت كسني يوسف عليه السلام، هو فرض الدولة الأموية الجزية على الموالي الفرس حتى بعد إسلامهم في مخالفة أخرى للقيم القرآنية، وفي سلوك جديد يضاف إلى رصيد ثقافة الهجر التي سنها بعض الصحابة حينما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه يهجر.
إذ تقضي القيم القرآنية برفع الجزية عن أهل الذمة حين إسلامهم، لتساويهم مع إخوانهم المسلمين في الحقوق والواجبات، فمالهم وعرضهم ودماؤهم محرمة على بعضهم البعض، أما أن تبقى هذه الجزية والضريبة المالية على أهل الذمة حتى بعد إسلامهم، فهذا ما لم تقر به سوى شريعة ثقافة الهجر.
وليت ان الأمر قد انحصر في ذلك، بل تم قتل من لم يستجب لهذا التشريع الجديد. كما تدل عليه النصوص التاريخية.
وعوداً على بدء، فحينما كتب عمال الحجاج بهجرة الموالي من القرى الزراعية وانكسار الخراج؛ كتب الحجاج إليهم ــ بكونه أحد أهم مكونات ثقافة الهجر، وأفضلهم حملاً لهذا الفكر ــ كتاباً قال فيه: «إنّ من كان له أصل في قرية فليخرج إليها» (راجع تاريخ الطبري: ج5، ص182).
بمعنى كل من خرج من قريته فليعُدْ إليها؛ فقام أولئك الولاة فأخرجوا الناس من المدن، ولاسيما مدينة البصرة «فخرج الناس فعسكروا فجعلوا يبكون وينادون يا محمداه يا محمداه، وجعلوا لا يدرون أين يذهبون فجعل قراء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنعين فيبكون لما يسمعون منهم ويرون» (راجع المصدر السابق).
ولم يجد الناس مخرجاً من هذا القرار الذي فرضته السلطة الأموية غير قدوم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ــ مع جيشه من سجستان ــ وعزمه على تفيئة ذلك القرار (راجع الخراج والنظم المالية، د. محمد ضياء الدين: ص218) .
«واستبصر قراء أهل البصرة في قتال الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث» (راجع الطبري في تاريخه: ج5، ص183).
فكانت النتيجة في هذه المعركة ان التجأ الحجاج إلى الخديعة فخدع الناس بالأمان ثم أمر بهم عمارة بن تيم اللخمي فقتلهم جميعاً صبراً (راجع المصدر السابق)، أي: عزّلاً لم يكن بيدهم سلاح.
أما عددهم فيقول ضمرة بن ربيعة الشيباني: «قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفاً ما استحيا منهم إلا واحداً كان ابنه في كتّاب الحجاج» (راجع المصدر السابق).
في حين عدد الذين قتلهم الحجاج خلال توليته العراق «مائة وعشرين أو مائة وثلاثين ألفاً» (نفس المصدر السابق).
وعليه: كانت هذه الأحداث هي مصداق لتحقق الأثر الغيبي في دعاء الإمام الحسين عليه السلام على جيش عمر بن سعد حينما قال: «وسلط عليهم سني كسني يوسف». فأصبح حالهم كما مرّ بيانه انفاً.

تعليقات حول الموضوع:
هذا من ارقا المواضيع الخراجية البحته وانا شاكر لكم تواصلكم مع اهل العلم والمعرفة
حسين علي الشكري - 18-12-2011


 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة