السبت، 26 ذو القعدة 1438 - Saturday, 19 August 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  أدلة تفضيل تربة كربلاء على تربة مكة  
بقلم: السيد نبيل الحسني  
امتازت أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد واقعة كربلاء بالسعة في تعريف الناس بشرافة هذه التربة المقدسة وبما تحمل من خصائص؛ والسبب في ذلك يعود للنقاط الآتية.
1. لاشتهار المكان بين الناس ومعرفتهم بسبب فاجعة مقتل أهل البيت عليهم السلام.
2. لتوجيه الناس إلى التحلي بالآداب واللياقة عند توجههم لزيارة صاحب التربة ومشرّفها الإمام الحسين بن علي عليهما السلام.
3. لنقل الجنبة المعرّفية عند أهل الإيمان من مرحلة العلم بحقيقة الشيء إلى مرحلة العمل.
فكان حملهم لهذه التربة كاشفاً عما توصلوا إليه من معرفة بها.
فتقديسهم لها، واستشفاؤهم بها، وسجودهم لله عليها؛ دافعهُ العلم بخصوصية هذه التربة؛ وهو ما أشارت إليه الأحاديث الشريفة الآتية:

  أولاً: تقديم تربة كربلاء بالخلق على تربة مكة  
روى الحر العاملي رحمه الله في الوسائل، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (خلق الله كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام وقدسها وبارك عليها، فما زالت قبل أن يخلق الله الخلق مقدسة مباركة ولا تزال كذلك (راجع التهذيب للطوسي رحمه الله: ج6، ص 72).
وفي رواية ثانية: (حتى يجعلها الله أفضل أرض في الجنة، وأفضل منزل ومسكن يسكن الله فيه أولياءه في الجنة) (راجع كامل الزيارات لابن قولوية رحمه الله: ص 450 ــ 451 بتحقيق الشيخ جواد القيومي).

  ثانياً: تفضيلها على أرض مكة وأنها حرم آمن  
ومن الأحاديث الأخرى التي تحدثت عن خصوصية تربة كربلاء وتفضيلها على أرض مكة هي ما يلي:
1. فعن أبي الجارود، قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: «أتخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق ارض الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام وأنها إذا بدل الله الأرضين رفعها الله كما هي برمتها نورانية صافية فجعلت في أفضل روض من رياض الجنة، وأفضل مسكن في الجنة لا يسكنها إلا النبيون والمرسلون).
أو قال: أولوا العزم من الرسل وانها لتزهر من رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدري من بين الكواكب لأهل الأرض يغشى نورها نور أبصار أهل الجنة جميعاً، وهي تنادي أنا أرض الله المقدسة، والطينة المباركة التي تضمنت سيد الشهداء وشباب أهل الجنة» (راجع الوسائل للحر العاملي رحمه الله: ج 10، ص 403).
2. روى الحر العاملي رحمه الله في الوسائل عن أبي سعيد القماط، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «أن أرض الكعبة قالت: من مثلي وقد بُنيَ بيت الله على ظهري، يأتيني الناس من كل فج عميق؟ وجعلت حرم الله وأمنه؟ فأوحى الله إليها كفي وقري، ما فَضْلُ ما فضلت به فيما أعطيت أرض كربلاء إلا بمنزلة الابرة غمست في البحر، فحملت من ماء البحر، ولولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا من ضمنته كربلاء لما خلقتك، ولا خلقت الذي افتخرت به فقري واستقري وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلاّ مسختك وهويت بك في نار جهنم» (راجع وسائل الشيعة، باب استحباب التبرك بكربلاء، ج 10، ص 403).

والحديثان يتضمنان معاني وحقائق كثيرة نعرضها في المبحثين الآتيين:

  المسألة الأولى: سنة التفضيل حقيقة كونية وقرآنية  
لو نظر الإنسان إلى ما يدور من حوله في هذا الكون الرحب لوجد أنّ الله عز وجل قد فضل خلقاً على خلق، فالأرض فضلها على الكواكب فجعل فيها الحياة وشرفها بالأنبياء وأكرمها بهبوط الوحي، ثم خلق الماء فجعل منه فراتاً عذباً ومنه مالحاً أجاجاً، وفضل التربة بعضها على بعض فمنها الأرض السبخة التي لا ينبت فيها الزرع ومنها الصلبة التي لا يخرج منها إلاّ الحجارة ومنها الأرض الطيبة؛ ولو نظرنا إلى ارض مكة وارض كربلاء لوجدناهما قد أُعدّتا أن تكونا حرمين فكربلاء ضمت جسد سيد شباب أهل الجنة ومكة ضمت بيت الله.
ولذلك ورد هذا الحديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام كي يتعرف الناس على الخصائص التي خصت بها ارض كربلاء. لا من قبيل التقليل من شأن ارض مكة، أو الكعبة المشرفة أعزها الله. وإنما من قبيل بيان الحكمة في تفضيل أرض كربلاء، علماً أن التفضيل في الواقع هو حقيقة قرآنية تحدث عنها كتاب الله تعالى وأنها جرت حتى بين الأنبياء والمرسلين عليهم السلام؛ قال تعالى:
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } (سورة البقرة، الآية: 253).
وعليه؛ فالتفضيل سنة كونية وقرآنية، وان أحاديث العترة عليهم السلام إنما جاءت في هذا المورد كي يطلع الإنسان على حكمة الله فيها.

  المسألة الثانية: الحكمة في تفضيل أرض كربلاء على أرض مكة  
للوقوف عند الحكمة في تفضيل أرض كربلاء على أرض مكة ينبغي أولاً معرفة عوامل الافتخار ودواعيه بمعنى:أن كربلاء ومكة ــ أعزهما الله ــ قد تضمنتا في ثراهما آثاراً تفضيلية كانت هي السبب في هذا التفضيل، ولذا: سنقف بادئ بدء عند هذه الأسباب.
1. فأما مكة، فإن سبب افتخارها على بقية الأراضي هو: لوجود البيت الحرام، وقدوم الحجاج من كل فجّ عميق، وموضع قبلة المصلي في صلاته، وكلا الفرضين، ــ أي: الصلاة والحجّ ــ قد ارتبطا بالبيت الحرام ــ أعزه الله ــ.
2. أنها حرم آمن، وهذه الحرمة اكتسابية لا ذاتية، بمعنى أنها اكتُسِبتْ من خلال دعوة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (سورة البقرة، الآية: 126).
3. أن فيها مقام إبراهيم عليه السلام ولوجود هذا المقام اكتسبت أرض مكة ــ أعزها الله ــ هذا التفضيل والحرمة. قال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} (سورة آل عمران، الآية: 97).

وهذه الآية تدل على أمرين:
  الأمر الأول:   أن الآيات البينات جمعت في مقام إبراهيم.
  الأمر الثاني:   لوجود هذا المقام جعل هذا البلد حرماً آمناً، بمعنى آخر: إن الجعل في الحرمة والأمن كان لوجود مقام إبراهيم عليه السلام.
وهذا يدل على أن شرافة المقام من المقيم وهو إبراهيم الخليل عليه السلام؛ ويدل أيضاً على أن هناك فرقاً بين أرض مكة وبين أرض الكعبة المشرفة؛ إذ قد ينصرف الذهن إلى أن التفضيل هو بين أرض كربلاء والكعبة المشرفة وهذا غير صحيح. لأن الحديث يدور في أسباب التفضيل ودواعيه بين أرض كربلاء وأرض مكة.
وعليه؛ إذا كانت هناك أسباب ودواعٍ لتفضيل مكة على غيرها من البقاع؛ فمن باب أولى النظر إلى هذه الأسباب وما تحمل من شأن عند الله تعالى.
بمعنى آخر: إذا كانت أرض مكة تفتخر على بقية الأراضي والبقاع بسبب بيت الله المحرم، ومقام إبراهيم عليه السلام فالفخر كل الفخر بمقيم البيت وذريته، أي: بإبراهيم وذريته يكون التفضيل لا بالأرض. وهذه حقيقة قرآنية لا تقبل الريب، قال تعالى: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } (سورة إبراهيم، الآية: 37).

  المسألة الثالثه: إن كربلاء هي البقعة المباركة بجانب شاطئ الوادي الأيمن  
ومن الأحاديث التي أظهرت الخصوصية المكانية لأرض كربلاء، حديث أخرجه الشيخ الطوسي والشيخ المفيد، والعاملي، والقمي، والنوري (رحمهم الله) وغيرهم.
واللفظ للشيخ الطوسي: عن علي بن الحكم، عن مخرمة بن ربعي، قال: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «شاطئُ الوادي الأيمن الذي ذكره الله تعالى في القرآن هو الفراتُ، والبقعة المباركة هي كربلاء» (راجع التهذيب للطوسي رحمه الله، باب: فضل الكوفة، ج 6، ص38).
وفي رواية: «والشجرة هي محمد صلى الله عليه وآله وسلم» (راجع كامل الزيارات للقمي: ص 109، ط نشر الفقاهة).

  المسألة الرابعه: إنها محل ولادة عيسى عليه السلام والربوة التي التجأت إليها مريم عليها السلام  
أخرج الطوسي رحمه الله عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام، في قوله: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} (سورة مريم، الآية: 22).
قال: «خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين عليه السلام، ثم رجعت من ليلتها» (راجع التهذيب للشيخ الطوسي: ج 6، ص 73، حديث 138 ــ 9).
وفي رواية: عن أم سلمة (رضي الله عنها) حينما قتل الحسين عليه السلام، قامت فأخبرت بذلك! فقيل لها: أنى علمت؟! قالت: دفع إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لي: «إذا صار هذا دماً فاعلمي، أن ابني قد قتل؛ فكان كما قال. وقبره في البقعة المباركة والربوة التي هي ذات قرار ومعين بطف كربلاء بين نينوى والغاضرية من قرى النهرين» (دلائل الإمامة للطبري: ص 72، ط دار الذخائر).

  المسألة الخامسه: أنها الموضع الذي ردت فيه الشمس لعلي أمير المؤمنين عليه السلام  
من الكرامات التي أكرم الله بها أمير المؤمنين عليه السلام كرامة رد الشمس بعد غروبها. والمتتبع للروايات والآثار الواردة عن العترة عليهم السلام وسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه عليه السلام يجد أن هذه الكرامة قد تكررت له ــ بأبي وأمي ــ مرات عدة.
منها: ما كان زمن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة منه لعلي عليه السلام بأن يخصه الله بهذه الكرامة والمنقبة، وقد شهدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام وخلق كثير. وكان هذا الحدث في المدينة (في حادثة رد الشمس لعلي عليه السلام: الكافي للكليني رحمه الله، باب: إتيان المشاهد وقبور الشهداء، ج 4، ص562).

ومنها ما كان في العراق وقد تكررت مرتين.
فالأولى: أوردها الشيخ الخصيبي ــ المتوفى سنة 352 هـ في كتابه الهداية الكبرى ــ قائلاً: (إن أمير المؤمنين عليه السلام سار بعسكره من النخيلة مغرباً حتى أتى نهر كربلاء، فمال إلى بقعة يتضوع منها المسك وقد جنّ عليه الليل مظلماً متعكراً ومعه نفر من أصحابه، وهم: محمد بن أبي بكر، والحارث الأعور الهمداني وقيس بن عبادة، ومالك الأشتر، وإبراهيم الحسن الأزدي، وهاشم المري.
قال ابن عبيد الله بن يزيد: فلما وقف في البقعة وترجل النفر معه وصلى؛ قال لهم: «صلوا كما صليت ولكم علي علم هذه البقعة».
فقالوا: يا أمير المؤمنين منن علينا بمعرفتها. فقال عليه السلام: «هذه والله الربوة ذات قرار ومعين، التي ولد فيها عيسى عليه السلام، وفي موضع الدالي من ضفة الفرات غسلت مريم، واغتسلت، وهي البقعة المباركة التي نادى الله موسى من الشجرة، وهي محط ركاب من هنأ الله به جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعزاه».
فبكوا وقالوا: هو سيدنا أبو عبد الله الحسين؟. قال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: «اخفضوا من أصواتكم فإنه وإخوانه في هذا السواد وما أحب أن يسمعوا فيحزنوا على الحسين؛ على إن الحسين قد علم وفهم ذلك كله، وأخبره به جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم».
ثم قبض قبضة من نشر دوحات كأنهن قضبان اللجين، فاشتمها ثم ردها في أيدينا وقال: «لا تظنوا أنها من غزلان الدنيا، بل هي من غزلان الجنة، تعمر هذه البقعة وتؤنسها وتنثر فيها الطيب».
قال قيس بن سعد بن عبادة: كيف لنا بان نرسم هذه البقعة بأبصارنا، وهذا الليل بظلمته يمنعنا من ذلك؟. فقال لهم: «هذا عسكرنا حائر لا يهتدي طريقه».
فقال له محمد بن أبي بكر: يا مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأين فضلك الكبير لا يدركنا؟ فانفرد أمير المؤمنين عليه السلام بجانب من البقعة، وصلى ركعتين، ودعا بدعوات، فإذا الشمس قد رجعت من مغربها فوقفت في كبد السماء، فهلل العسكر وكبروا وخر أكثرهم سجداً لله؛ ونظروا إلى البقعة وعرفوها وعلموا أين هي من الفرات، وهي كربلاء؛ ثم سار العسكر في الجادة وغربت الشمس (الهداية الكبرى: ص 121، ط مؤسسة البلاغ ــ بيروت).
إذن؛ هذه جملة من الأحاديث الواردة عن العترة النبوية صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تتجلى فيها الخصوصية المكانية لتربة كربلاء. وبدت من خلالها الحكمة في تفضيلها على أرض مكة، بل على جميع بقاع الأرض، وأن الله حفظ بمن تضمنته تربة كربلاء، وهو الإمام الحسين عليه السلام شريعة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

تعليقات حول الموضوع:

بارك الله بكم وجعله في ميزان اعمالكم
ستار النجار - 14-4-2012


احسنتم سيدنا على هذا البحث القيم والله افد واجد و انا بدوري في شعبة التبليغ استفد اليوم من هذا البحث عبر جعله جوابا لسؤال وجه الينا عبر البالتوك لكن كان بودي ان اقول لوكان قد ذكرتم اية { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} الايتين 26,27 الحج في دليل على { فإن سبب افتخارها على بقية الأراضي هو: لوجود البيت الحرام، وقدوم الحجاج من كل فجّ عميق، }
السيد علاء العوادي - 6-3-2012

 

شكرررررررررررررا جزززززززيلا
حيدر احمد - 29-09-2011

 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة