السبت، 19 جمادى الثاني 1435 - Saturday, 19 April 2014
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  من هو غلام ثقيف الذي هدد به الإمام الحسين عليه السلام قتلته؟  
بقلم: السيد نبيل الحسني  


ورد في الخبر ان الإمام الحسين عليه السلام دعا على قتلته بقوله: ...وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة ولا يدع فيهم أحدا إلا قتلة بقتلة وضربة بضربة ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم فإنهم غرونا وكذبونا وخذلونا وأنت ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير راجع اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس: ص60.
والمقصود من قول الإمام الحسين عليه السلام كما هو واضح: المختار بن أبي عبيدة الثقفي رضي الله عنه.

  أولا: من هو المختار؟  
نشأ المختار في أسرة عريقة، فوالده: ابو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف، بن عقدة بن غيره بن عوف بن قسي ــ وهو ثقيف ــ بن منبّه بن بكر بن هوازن.
وأمه: دَوْمة بنت عمرو بن وهب بن معتب، وكانت من ربّات الفصاحة والبلاغة والرأي والعقل راجع أعلام النساء: ج1، ص421.
وكان مولد المختار في السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة راجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج45، ص350.

  ثانيا: مكانته الاجتماعية  
كان المختار ذا مكانة اجتماعية راقية، وقد وصفه ابن عبد البر بقوله: كان معدوداً من أهل الفضل والخير، وقال أيضا: ــ كان ــ المختار معدوداً في أهل الفضل والدين راجع الاستيعاب، القسم الرابع: ص1465.
وهو أحد وجوه الشيعة في المجتمع الكوفي وقد تعرض للاعتقال مع أربعة عشر نفراً من وجهاء الكوفة بسبب موالاتهم وتشيعهم لأهل البيت عليهم السلام وكان ذلك أثناء تولي زياد بن أبيه الإمارة على الكوفة، ومما يشير إلى مكانته في المجتمع الكوفي نزول مسلم بن عقيل في داره حينما قدم الكوفة سفيراً للإمام الحسين عليه السلام.

  ثالثا: علاقة المختار بأهل البيت عليهم السلام  
كان المختار قديم الصلة بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ طفولته، فتربى عندهم ونشأ بينهم، لأنه قد انتقل إلى المدينة مع أبيه، في زمن عمر، وتوجه أبوه إلى العراق، فاستشهد يوم الجسر، وبقي المختار في المدينة، منقطعاً إلى بني هاشم راجع الأعلام، ج8، ص70.
وقد توسم فيه الإمام علي عليه السلام منذ صباه الفطنة والذكاء، فكان يجلسه على فخذه ويمسح رأسه، ويقول له: «يا كيّس... يا كيّس» راجع معجم رجال الحديث: ج18، ص95.
واستمر تردده على بني هاشم يأخذ عنهم الأدب والعلم، وبعد فترة من صلح الإمام الحسن بن علي عليهما السلام عاد من الكوفة إلى المدينة، وكان يجالس محمد بن الحنفية، ويأخذ عنه الأحاديث بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج45، ص352.
وجاء في كتاب مقتل الإمام الحسين للسيد عبد الرزاق المقرم قوله: المختار بن أبي عبيدة الثقفي... انقطع إلى آل الرسول الأقدس فاستفاد منهم علماً جمّاً، وأخلاقاً فاضلة، وناصح لهم في السرّ والعلانية.

  رابعا: حبس المختار في سجن الكوفة ومنعه من الالتحاق بكربلاء  
بعد أن انقلب أنصار مسلم بن عقيل عليه السلام وبعد تخفيه في بعض بيوت الكوفة، انقلبت كفة الأمور لصالح عبيد الله بن زياد، وفي نفس هذه الليلة التي كان فيها مسلم بن عقيل متواريا عن الأنظار دخل المختار بن أبي عبيد الكوفة يحمل راية خضراء تاريخ الطبري: ج5، ص381.
حتى انتهى إلى باب الفيل من مسجد الكوفة، وهناك صدمته الحقيقة لأن خبر انقلاب الناس على مسلم بن عقيل لم يكن قد وصل إليه، فبقي على حيرة من أمره لا يعلم بمكان مسلم حتى ينصره ولا يقدر على الرجوع إلى أهله لأن جيش ابن زياد قد سد على الناس منافذ الدخول والخروج إلى الكوفة وأعلن حظراً للتجوال في عموم شوارع الكوفة وأزقتها وبين هذه الخيارات الصعبة، يمرّ به هاني بن أبي حيّة الوادعي فيعرض عليه أن ينزل على عمرو بن حريث فاستجاب مضطرا إلى الصباح تاريخ الطبري: ج5، ص570.
وفي اليوم الثاني يأمر ابن زياد أن يدخل عليه الناس عامة فيدخل المختار في من دخل فيتوجه إليه ابن زياد قائلا له: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل، فقال له: لم أفعل ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو بن حريث، وبت معه وأصبحت، فقال له عمرو: صدق ــ أصلحك الله ــ فرفع عبيد الله القضيب، فاعترض وجه المختار فخبط به عينه فشترها وقال: أما والله لو لا شهادة عمرو لك لضربت عنقك، انطلقوا به إلى السجن المصدر السابق.
وبعد أيام من اعتقال المختار يعتقل ميثم التمار، ويودع السجن مع المختار، وبعد حديث بينهما ينبعث في روح المختار أمل بالنجاة والخلاص من يد هؤلاء الأشرار، بل والشرف العظيم بأخذ ثأر سيد الشهداء وأصحابه الأخيار حيث يقول له ميثم ناقلاً عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «إنك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين عليه السلام فتقتل هذا الذي قتلنا...».
فتطمئن نفس المختار بهذا الكلام، لأنه واثق من مصدره ومُصدّق له، وبدأ يعدّ الساعات والدقائق، ويهيّئ نفسه للقيام بالمهمة الكبرى.

  خامسا: أثر مقتل الحسين عليه السلام على المختار  
كانت الأيام تمر سراعا في سجن ابن زياد عليه اللعنة وكانت الأخبار لا تأتي إلا بما يسوء، وفجأة يقرع أسماع من كان مسجوناً في زنزانة ابن زياد نبأ الفاجعة العظمى، والمجزرة الكبرى، التي ذبح فيها الحسين وآل الحسين عليهم السلام وأنصاره وأريقت دماؤهم الزكية على أرض كربلاء بعد ثلاثة أيام من العطش المهلك وفصلوا الرؤوس عن الأجساد، وتركوا أجسادهم مجرّدة، وأبدانهم مرمّلة، وخدودهم معفّرة... تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الريح وبعد ذلك حملوا نساء البيت العلوي والأطفال على ظهور الجمال العجاف سبايا إلى أبناء الطلقاء.
فكان كلما ورد خبر من هذه الأخبار إلى أسماع المختار ورفاقه السجناء تزداد جروحهم عمقاً، وتشتد فيهم حالة الغضب على هؤلاء الجناة، ويشتد فيهم الشعور بالتقصير تجاه آل رسول الله صلى الله عليه وآله، وتأنيب الضمير لخذلانهم أهل الحق، وسكوتهم على جرأة الباطل.

  سادسا: انطلاقة ثورة التوابين واتصال بعض قادتها بالمختار  
انطلقت ثورة التوابين بهدف الاقتصاص من قتلة الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته ولكنها وللأسف لم تدم طويلا، فقد خسروا في المعركة التي خاضها جيش التوابين مع جيش عبيد الله بن زياد، بعد أحداث يطول ذكرها، ووصل إلى مسامع المختار وهو في السجن نبأ استشهاد سليمان وجمع من أصحابه على يد عبيد الله بن زياد، ورجوع المتبقين من جيش التوابين إلى الكوفة فكاتبهم في رسالة يثني فيها على جهادهم ويعرض عليهم الانخراط معه من جديد في ركاب الثورة، وكان نصّ الكتاب: أمّا بعد فإنّي في الله أعظم لكم الأجر واحط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين وجهاد المحلين، وأنّكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خطوة إلاّ رفع الله لكم بها درجة، وكتب بها حسنة، على ما يحصيه الله من التضعيف، فابشروا فإني لو قد خرجت لجردت ما بين المشرق والمغرب في عدوكم السيف بإذن الله... فرحب الله بمن قارب منكم واهتدى ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى، والسلام على من اتبع الهدى.
فأجابوه: قد قرأنا الكتاب ونحن حيث يسرك فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا راجع تاريخ الطبري: ج4، ص94.

  إعلان ساعة الصفر في الكوفة لمعركة القصاص  
استطاعت شخصية المختار الفذّة أن تجمع أكثر الناس المعارضين للدولة الأموية وللدولة الزبيرية وكان الجو مشحونا بالتوتر ضد والي ابن الزبير الذي استعان بقتلة الإمام الحسين عليه السلام في الإدارة لشؤون الكوفة، فاستغل المختار هذه الأجواء للانطلاق من خلالها بالثورة، فحدّد تاريخ الرابع عشر من ربيع الثاني موعداً لإعلان ساعة الصفر.
فاستولى المختار على قصر الإمارة وسيطر على كامل أرض الكوفة بعد أربعة أيّام من الكر والفر، وجلس في القصر، واجتمع عليه الناس للبيعة فلم يزل باسطاً يده حتى بايعه خلق من العرب والسادات والموالي راجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله: ج45، ص361.
وبعد أن سيطر على الكوفة بشكل كامل، أرسل العمّال والولاة إلى نواحي الكوفة والمناطق التابعة لها وفرّق العمّال بالجبال والبلاد راجع المصدر السابق ص366.

  أولا: تتبعه لقتلة الحسين عليه السلام والاقتصاص منهم  
ذكر الطبري في تاريخه أن المختار تجرد لقتلة الحسين وأهل بيته عليهم السلام، وقال: اطلبوهم، فإنه لا يسوغ لي الطعام والشراب، حتى أطهر الأرض منهم.
قال موسى بن عامر: فأول من بدأ به الذين وطأوا الحسين عليه السلام بخيلهم، وأنامهم على ظهورهم، وضرب سكك الحديد في أيديهم وأرجلهم، وأجرى الخيل عليهم حتى قطعتهم، وحرقهم بالنار، ثم أخذ رجلين اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وفي سلبه، كانا في الجبانة، فضرب أعناقهما، ثم أحرقهما بالنار، ثم أحضر مالك بن بشير فقتله في السوق.
ثم بعث أبا عمرة فأحاط بدار خولي بن يزيد الأصبحي، وهو حامل رأس الحسين عليه السلام إلى عبيد الله بن زياد، فخرجت امرأته إليهم وهي النوار ابنة مالك كما ذكر الطبري في تاريخه، وقيل: اسمها العيوف، وكانت محبة لأهل البيت عليهم السلام قالت: لا أدري أين هو؟ وأشارت بيدها إلى بيت الخلا، فوجدوه وعلى رأسه قوصرة، فأخذوه وقتلوه، ثم أمر بحرقه.
ثم بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن الطفيل السنبسي وكان قد أخذ سلب العباس، ورماه بسهم، فأخذوه قبل وصوله إلى المختار، ونصبوه هدفا، فرموه بالسهام.
وبعث إلى قاتل علي بن الحسين الأكبر عليهما السلام وهو مرة بن منقذ العبدي، وكان شيخا، فأحاطوا بداره، فخرج وبيده الرمح وهو على فرس جواد، فطعن عبيد الله بن ناجية الشبامي فصرعه، ولم تضره الطعنة، وضربه ابن كامل بالسيف فاتقاها بيده اليسرى، فأشرع فيها السيف، وتمطرت به الفرس فأفلت، ولحق بمصعب بن الزبير، وشلت يده بعد ذلك.
حدث المنهال بن عمرو قال: دخلت على زين العابدين عليه السلام أودعه وأنا أريد الانصراف من مكة، فقال: يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهل؟ وكان معي بشر بن غالب الأسدي، فقلت: هو حي بالكوفة، فرفع يديه، وقال: اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر الحديد، اللهم أذقه حر النار. قال المنهال: وقدمت إلى الكوفة والمختار بها فركبت إليه، فلقيته خارجا من داره، فقال: يا منهال، ألم تشركنا في ولايتنا هذه؟ فعرفته أني كنت بمكة، فمشى حتى أتى الكناس، ووقف كأنه ينتظر شيئا، فلم يلبث أن جاء قوم، فقالوا: أبشر أيها الأمير فقد اخذ حرملة، فجيء به، فقال: لعنك الله، الحمد لله الذي أمكنني منك، الجزار، الجزار، فأتي بجزار، فأمره بقطع يديه ورجليه، ثم قال: النار النار، فأتي بنار وقصب فاحرق.
فقلت: سبحان الله! سبحان الله! فقال: إن التسبيح لحسن، لم سبحت؟ فأخبرته بدعاء زين العابدين عليه السلام فنزل عن دابته، وصلى ركعتين، وأطال السجود، ثم ركب وسار فحاذى داري، فعزمت عليه بالنزول والتحرم بطعامي، فقال: إن علي بن الحسين عليهما السلام دعا بدعوات فأجابها الله على يدي، ثم تدعوني إلى الطعام؟ هذا يوم صوم شكرا لله تعالى، فقلت: أدام الله توفيقك.
وأتوه ببجدل بن سليم الكلبي، وعرفوه أنه أخذ خاتمه، وقطع إصبعه، فأمر بقطع يديه ورجليه، فلم يزل ينزف دما حتى مات، وكان الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله قد أخذ من الإبل التي كانت تحت رحل الحسين عليه السلام فنحرها، وقسم لحمها على قوم من أهل الكوفة، فأمر المختار فأحصوا كل دار دخلها ذلك اللحم، فقتل أهلها وهدمها، ولم يزل المختار يتتبع قتلة الحسين عليه السلام حتى قتل خلقا كثيرا، وانهزم الباقون، فهدم دورهم، وأنزلهم بعد المعاقل والحصون، إلى المفاوز والصحون.
قال: وقتلت العبيد مواليها، وجاءوا إلى المختار فأعتقهم، وكان العبد يسعى بمولاه فيقتله المختار، حتى أن العبد ليقول لسيده: احملني على عنقك فيحمله، ويدلي رجليه على صدره إهانة له ولخوفه من سعايته به إلى المختار راجع ذوب النضار لابن نما الحلي: ص145. البحار للمجلسي: ج45، ص377.
قال ابن نما الحلي: فيا لها من منقبة حازها، ونوبة أحرزها، فقد سر النبي صلى الله عليه وآله بفعله، وإدخاله الفرح على عترته وأهله عليهم السلام.

  ثانيا: قتله لشمر بن ذي الجوشن لعنه الله  
لم تستقر الكوفة كثيرا بعد تولي المختار الإمارة فسرعان ما تحزب قتلة آل البيت عليهم السلام للغدر به بعد أن خرج من الكوفة إبراهيم بن مالك الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد الذي التجأ إلى أحضان عبد الملك بن مروان في الشام، وكان أهل الكوفة قد عزموا على الفتك بالمختار الذي علم حالهم وما عزموا عليه فبعث خلف إبراهيم بن مالك الأشتر يأمره بالعودة سريعا فرجع إبراهيم ووقعت معركة طاحنة استطاع فيها المختار وإبراهيم بن مالك الأشتر من القضاء على هذه الزمر وفر منهم جماعة خارج الكوفة كان من ضمنهم شمر بن ذي الجوشن مع بعض أصحابه.
أما من لم يفر منهم فقد التجأ إلى داره ظناً منهم أن المختار سيتركهم لكنه أخرجهم من دورهم مع من أسر منهم أثناء المعركة وكانوا خمسمائة أسير فجاء بهم جند المختار وعرضوهم عليه.
ثم علم المختار أن شمر بن ذي الجوشن لعنه الله خرج هاربا ومعه نفر ممن شرك في قتل الحسين عليه السلام فأمر عبدا له أسود يقال له رزين، وقيل: زربي، ومعه عشرة ــ وكان شجاعا ــ يتبعه فيأتيه برأسه.
قال مسلم بن عبد الله الضبابي: كنت مع شمر حين هزمنا المختار، فدنا منا العبد، فقال شمر: اركضوا وتباعدوا لعل العبد يطمع فيّ، فأمعنا في التباعد عنه، حتى لحقه العبد فحمل عليه شمر فقتله، ومشى فنزل في جانب قرية اسمها الكلتانية على شاطئ نهر إلى جانب تل، ثم أخذ من القرية علجا فضربه، ودفع إليه كتابا، وقال: عجل به إلى مصعب بن الزبير، وكان عنوانه: للأمير مصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن، فمشى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة بعثه المختار إليها في أمر ومعه خمسمائة فارس، فأقرأ الكتاب رجلا من أصحابه، وقرأ عنوانه، فسأل عن شمر وأين هو، فأخبره أن بينهم وبينه ثلاثة فراسخ.
قال مسلم بن عبد الله: قلت لشمر: لو ارتحلت من هذا المكان فانا نتخوف عليك.
فقال: ويلكم أكل هذا الجزع من الكذاب؟، والله لا برحت فيه ثلاثة أيام، فبينما نحن في أول النوم، إذ أشرفت علينا الخيل من التل وأحاطوا بنا، وهو عريان مؤتزرا بمنديل، فانهزمنا وتركناه، فأخذ سيفه ودنا منهم، وهو يقول:
  نبهتموا ليثا هزبرا باسلا
جهما محياه يدق الكاهلا
لم يك يوما من عدو ناكلا
إلا كذا مقاتلا أو قاتلا
يبرحهم ضربا ويروي العاملا
 

فلم يك بأسرع أن سمعنا: قتل الخبيث، قتله أبو عمرة، وقتل أصحابه، ثم جيء بالرؤوس إلى المختار، فخر ساجدا، ونصب الرؤوس في رحبة الحذائين حذاء الجامع.

  ثالثا: قتله لعمر بن سعد بن أبي وقاص لعنه الله قائد الجيش في يوم عاشوراء  
بعد أن أقام المختار رحمه الله الحد على قتلة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله انعطف إلى ملاحقة قائد جيش المنافقين في يوم عاشوراء عمر بن سعد بن أبي وقاص فتمكن منه فقتله وقتل معه ولده حفص، وسيمر لاحقا كيفية وقوع ذلك في دعاء الإمام عليه السلام على عمر بن سعد حينما خرج علي الأكبر عليه السلام للقتال لينكشف للمسلمين ــ وكل من يقرأ التاريخ الإسلامي ــ أن الأثر الغيبي في دعاء الإمام المعصوم عليه السلام هو حقيقة عملية لا يمكن لعاقل نكرانها إلا من سلب العقلانية فانحدر إلى الحيوانية بل أضل سبيلا.

  رابعا: قتله لوالي الكوفة عبيد الله بن زياد لعنه الله مع رموز جيش أهل الشام الذين اشتركوا في قتال الحسين عليه السلام  
حينما تمكن المختار من القضاء على أعداء الله تعالى توجه للقصاص من عبيد الله بن زياد عليه لعنة الله فعزم على توجيه إبراهيم الأشتر مع أنصاره إلى الشام إلى ملجأ ابن زياد.
قال المؤرخون: إنّ المختار قال: لم يبق عليّ أعظم من عبيد الله بن زياد، فأحضر إبراهيم بن مالك الأشتر، وأمره بالمسير إلى عبيد الله بن زياد.
وكان عبيد الله بن زياد قد علم بقدوم إبراهيم، فرحل في ثلاثة وثمانين ألفا حتى نزل قريبا من عسكر العراق، وطلبهم أشد الطلب، وجاءهم في جحفل لجب.
وكان مع إبراهيم بن مالك الأشتر أقل من عشرين ألفا، وكان في عسكر الشام من أشراف بني سليم عمير بن الحباب، فراسله إبراهيم بن مالك ووعده بالحباء والإكرام، فجاء ومعه ألف فارس من بني عمه وأقاربه، فصار مع عسكر العراق، فأشار عليهم بتعجيل القتال وترك المطاولة.
فلما كان في السحر صلوا بغلس، وعبأ إبراهيم بن مالك أصحابه، فجعل على ميمنته سفيان بن يزيد الأزدي، وعلى ميسرته علي بن مالك الجشمي، وعلى الخيل الطفيل بن لقيط النخعي، وعلى الرجالة مزاحم بن مالك السكوني، ثم زحفوا حتى أشرفوا على أهل الشام، ولم يظنوا أنهم يقدمون عليهم لكثرتهم، فبادروا إلى تعبئة عسكرهم، فجعل عبيد الله على ميمنته شرحبيل بن ذي الكلاع، وعلى ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي، وعلى جناح ميسرته جميل بن عبد الله الغنمي، وفي القلب الحصين بن نمير.
ووقف العسكران، والتقى الجمعان، ثم تقدم إبراهيم بن مالك الأشتر، ونادى: ألا يا شرطة الله، ألا يا شيعة الحق، ألا يا أنصار الدين، قاتلوا المحلين وأولاد القاسطين، ولا تطلبوا أثرا بعد عين، هذا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام، ثم حمل على أهل الشام، وضرب فيهم بسيفه، وحمل أهل العراق معه واختلطوا، ثم انجلت الحرب، وقد قتل أعيان أهل الشام، مثل الحصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وابن حوشب، وغالب الباهلي، وأشرس بن عبد الله الذي كان واليا على خراسان.
وحاز إبراهيم بن مالك الأشتر رحمة الله عليه فضيلة هذا الفتح، وعاقبة هذا المنح، الذي انتشر في الأقطار، ودام دوام الاعصار.
قال الرواة: رأينا إبراهيم بعدما انكسر العسكر، وانكشف العثير، قوما منهم ثبتوا وصبروا وقاتلوا فلقطهم من صهوات الخيل، وقذفهم في لهوات الليل حتى صبغت الأرض من دمائهم ثيابا حمرا، وملا الفجاج ببأسه ذعرا، وتساقطت النسور، وأهوت العقبان على أجسادهم وهي كالعقيق المنثور، واصطلح على أكل لحومهم الذئب والسبع، والسيد والضبع.
قال إبراهيم بن مالك: واقبل رجل أحمر في كبكبة يغري الناس كأنه بغل أقمر لا يدنو منه فارس إلا صرعه، ولا كمي إلا قطعه، فدنا مني، فضربت يده فأبنتها، وسقط على شاطئ الخازر، فشرقت يداه، وغربت رجلاه، فقتلته، ووجدت رائحة المسك تفوح منه، وجاء رجل نزع خفيه، وظنوا أنه ابن زياد من غير تحقيق، فطلبوه فإذا هو على ما وصف إبراهيم، فاحتزوا رأسه، واحتفظوا طول الليل بجسده، فلما أصبحوا عرفه مهران مولى زياد، فلما رآه إبراهيم بن مالك قال: الحمد لله الذي أجرى قتله على يدي، وقتل في صفر.
كانت الوقعة يوم عاشوراء سنة سبع وستين ــ وهذا من عجيب حكمة الله تعالى في أن يقتل عبيد الله بن زياد في نفس اليوم الذي استشهد فيه الإمام الحسين عليه السلام وأن يرى الناس تحقق الأثر الغيبي في دعاء الشهداء على أعدائه.
وبعث إبراهيم بن مالك برأس عبيد الله بن زياد لعنه الله ورؤوس الرؤساء من أهل الشام وفي آذانهم رقاع أسمائهم، فقدموا على المختار وهو يتغدى، فحمد الله ــ تعالى ــ على الظفر.
فلما فرغ من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله، ثم رمى بها إلى غلامه، وقال: اغسلها فاني وضعتها على وجه نجس كافر.
ثم حمل المختار رأسه ورؤوس القواد إلى مكة مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، وعبد الرحمان بن شداد الجشمي، وأنس بن مالك الأشعري، وقيل: السائب بن مالك، ومعها ثلاثون ألف دينار إلى محمد بن الحنفية، وكتب معهم: أني بعثت أنصاركم وشيعتكم إلى عدوكم، فخرجوا محتسبين أسفين، فقتلوهم، فالحمد لله الذي أدرك لكم الثأر، وأهلكهم في كل فج سحيق، وغرقهم في كل بحر عميق، وشفى الله صدور قوم مؤمنين.
فقدموا بالكتاب والرؤوس والمال عليه، فلمّا رآها خر ساجدا، ودعا للمختار، وقال: جزاه الله خير الجزاء، فقد أدرك لنا ثأرنا، ووجب حقه على كل من ولده عبد المطلب بن هاشم، اللهم واحفظ إبراهيم بن الأشتر وانصره على الأعداء، ووفقه لما تحب وترضى، واغفر له في الآخرة والأولى.
فبعث رأس عبيد الله بن زياد إلى علي بن الحسين عليه السلام فادخل عليه وهو يتغدى، فسجد شكرا لله تعالى وقال: «الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من عدوي، وجزى الله المختار خيرا».
ثم قال عليه السلام: «أُدخلت على عبيد الله بن زياد وهو يتغدى ورأس أبي بين يديه، فقلت: اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد».
وقسم محمد المال في أهله وشيعته بمكة والمدينة على أولاد المهاجرين والأنصار، وروى المرزباني بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال: «ما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت، ولا رئي في دار هاشمي دخان خمس حجج حتى قتل عبيد الله بن زياد لعنه الله».
وعن عبد الله بن محمد بن أبي سعيد، عن أبي العيناء، عن يحيى بن راشد، قال: قالت فاطمة بنت علي: ما تحنأت امرأة منا، ولا أجالت في عينها مرودا، ولا امتشطت حتى بعث المختار رأس عبيد الله بن زياد.
وروي: أن المختار قتل ثمانية عشر ألفاً ممن شرك في قتل الحسين عليه السلام أيام ولايته وكانت ثمانية عشر شهراً أولها أربع عشرة ليلة من ربيع الأول سنة ست وستين، وآخرها النصف من شهر رمضان من سنة سبع وستين، وعمره سبع وستون سنة ذوب النضار لابن نما الحلي: ص132ــ145.

  هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟  
الاسم:
بريدك الالكتروني:
رأيكم الكريم:
تعليقات حول الموضوع:

رحمت الله عليك يامختار جمعنا الله اياكم في الجنه مع المختار والامام الحسين واهل البيت عليهم السلام
مقداد- 10-5-2012

 

السلام على المختار فخر الشيعه وجزاه الله خير الجزاء ورحمه الله في رحمته الواسعه ورضي الله عنه
فجر الحنان- 22-1-2012

 

السلام على المختار بن عبيده الله الثقفي وعلى ابوه وعمه الذين كانوا من كبار الصحابه ومن اول من امن برسول الله ص ، الله العن الخونه الذين قد تسببوا في قتل المختار ، سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا وهنيئا له الجنه
العراق- 14-1-2012

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد واله الطيبين الطاهرين والسلام الابدي على حبيب ارواحنا وقلوبنا ابو الشهداء عليه السلام الرحمة الواسعه على روح مولانا المختار رضوان الله عليه مفرح قلوبنا وقلوب ال البيت عليهم السلام بقطع روؤس الفاسقين وشكرأ لك اخي العزيز على هذا الموضوع
غالب- 13-1-2012

 

السلام عليك يامولاي ابي عبد الله الحسين (لعن الله امة ظلمتك وقتلتك )
والحمد لله الذي فضح اعداء اهل بيت وسقاهم سوء العذاب في الدنيا والاخرة على يد الناصر العبد الصالح (المختار الثقفي ) رضوان الله تعالى عليه
احسنتم وبارك الله فيكم
فدك الزهراء- 26-12-2011

 

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين وبارك الله بالمختار وأصحابه وجزاهم الله خير الجزاء
لعنة الله على قتلة سيد الشهداء أبا عبد الله الحسين عليه السلام
عمر - 21-12-2011

 

بارك الله فيكم ياخوتي وجزاكم الله خير الجزاء وجعلنا وجعلكم من الطالبين بثأر الامام الحسين (عليه السلام) علي يدي منقذ اهل الارض امامنا وسيدنا وولي امرنا صاحب الامر والزمان محمد ابن الحسن عجل الله تعالى فرجة وسهل مخرجة وجعلنا من المدفعين عنه واراضين بفعلة و المستشهدين بين يديه
العبد المدافع عن اهل البيت ع عباس عبيد القريشي - 11-12-2011

 

بارك الله فيكم ياانصار الحسين والله يحفضكم من كل سؤء انشا الله
علي منزل - 6-12-2011

 

بسم الله الرحمن الرحيم" سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين" صدق الله العلي العظيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقة محمد وال محمد الطاهرين
وبعد
امام الاحرار الحسين ابن علي ابن ابي طالب عليهم السلام هو"ثار الله" وسوف ينال المنافقين العقاب والخذلان على يد الامام الحجة عجل الله فرجه الشريف اكثر من ذلك وهذا وعد الله، بسم الله الرحمن الرحيمطونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين)صدق الله العلي العظيم والحمد لله رب العالمين.
رياض - 17-09-2011

 

الحمد لله رب العالمين بارك الله بالمختار واصحابه فجزاهم الله خير الجزاء
عماد اللامي - 16-09-2011

 

الا لعنة الله على عــــمر ابن سعد .. مع العلم ان عائلتنا تنتسل من نسله يعني ان الكلب هذا جد لنا .. لكن .. لك الحمد والشكر ياربي ان جعلتنا موالين لآل بيت نبيك
ابو عبدالله - 29-08-2011

 

الحمد لله الذي انتقم للحسين عليه السلام على يد المختار
عبدالله - 18-06-2011

 

في ممن يباهى بالقبلية و العشائرية
فالمختار ثففي رضي الله عنه و الحجاج لعنة الله عليه ثقفي
فحبيب بن مظاهر أسدي رضي الله عنه و حرملة لعنة الله عليه أسدي
يكفينا أن نكون طاهري المولد و نلحق بركاب الحسين عليه السلام و دمنا الولاية و نسبنا شيعة علي بن أبي طالب عليهما السلام و ديننا محمدي (اللهم صلي على محمد و آل محمد).
شاكر الجزيري- 23-05-2011

 

السلام على جدي ابراهيم الاشتر الحمد لله على هذا الفخر والحمد لله على نعمة الولاية شكرا جزيلا على هذا الموضوع وبارك الله فيكم.
فراس الابراهيمي - 17-05-2011


 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة