الأربعاء، 24 جمادى الأول 1438 - Wednesday, 22 February 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  في خروجها إلى حرب الجمل هل أصلحت عائشة أم أفسدت وبغت؟  
بقلم: الشيخ حسن الشمري الحائري  

معركة الجمل، إنها معركة مزقت صفوف المسلمين، وجعلتهم شيعا، وأحدثت فجوة واسعة في جدار المجتمع الإسلامي.
وإن تسأل عن السبب في حدوثها فلا تجد إلا الأحقاد والضغائن والأهواء التي استبدت في النفوس، فأوقدوا نارا أتت على الأخضر واليابس، وفتحت بابا من الفتن لم يغلق لحد الآن.
وأقول (لحد كتابة هذه السطور): لن أجد مبررا واحدا لوقوعها، وكل ما قيل في أسبابها أن (عائشة خرجت للإصلاح)، لكن ما هو الإصلاح؟ وما هي معالمه؟ فلن تحصل على الجواب.
ثم لماذا خرج الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وهما قد بايعا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام؟!.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فميتته جاهلية) (راجع: المجموع: محي الدين النووي، ج19/ص190. روضة الطالبين: محي الدين النووي، ج7/ص271. مغني المحتاج: محمد بن أحمد الشربيني، ج4/ص124)
... فلن تحصل على الجواب.
وعليه فالذين يبررون قيامها لابد وأن يضعوا في حسابهم هذه الملاحظات:

  الملاحظة الأولى:   لقد وضعوا الأشخاص فوق القانون، وهذه إهانة للقانون، وخرقا فاضحا له، وكما هو ثابت في سنن المجتمعات الراقية أن لا أحد يعلو القانون، فله السيادة المطلقة.
ثم إذا وضعنا الأشخاص فوق القانون فلا قيمة تبقى له، ثم لا تصبح له هيبة وسطوة، فيضحى لعبة بيد المنتفعين، كما حدث لحكام بني أمية وبني العباس.

  الملاحظة الثانية:   ثم إذا تكلموا في الإصلاح، فماذا جنت عائشة، والزبير، وطلحة، من معركة الجمل حتى يمكن أن نقول (أنهما خرجا للإصلاح)؟.
وأي إصلاح؟ وقد تمزق المجتمع الإسلامي شيعا، وتقطعت أوصاله، ودب فيه داء لم يبرأ منه بالرغم من المحاولات الحثيثة التي بذلها أمير المؤمنين عليه السلام.
يقول تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء } (سورة الأنعام 159) .

  الملاحظة الثالثة:   إن الدماء التي أريقت كانت عزيزة، وكان الأجدر بها أن تراق على (مذبح العقيدة والحق) لا أن تراق لمصالح ضيقة وأهواء مستبدة، فهذا حرام ولم يقبل به الشرع.

  الملاحظة الرابعة:   ثم إن المعركة العسكرية كما في عرف الدول والقانون الدولي تشكل آخر الحلول، فلابد أن يسبق الحل العسكري حوارات وزيارات، وإيجاد مناخ لحلحلة الأزمة بالطرق السلمية، فإن عزت وفشلت الحلول يأتي الحل العسكري.
ثم إن الحوار دائما يؤدي إلى نتيجة، ومنها تقريب وجهات النظر، وأما المعركة العسكرية فهي تباعد بين الطرفين، وتصنع حاجزا بينهما قد لا يلتقيان، وهذا ما حدث في معركة الجمل.

  الملاحظة الخامسة:   وثمة ملاحظة مهمة، فمن أفتى بخروج (نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم)؟! فليست هناك فتوى أو حديث يدعو إلى خروج النساء، بالذات نساء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الله عز وجل أمرهن بالتزام البيوت في آية واضحة. قال تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} (سورة الأحزاب33) فالآية صريحة في (الإقرار).
ومعنى وقرن من الوقار، وكأن بقاء نساء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجلبن الوقار، فالآية واضحة في (عدم الخروج) لاسيما وأن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمثلن القدوة والأسوة للنسـاء، وما تسميـة نسـاء النبـي صلى الله عليه وآله وسلم بـ (أمهات المؤمنين) إلا لأجل هذا المقام السامي، فأي خروج أو عصيان من قبلهن يعد كبيرا وخطيرا.

  عائشة هي التي حرضت على قتل عثمان فلماذا خرجت للطلب بدمه  
وإن تسأل عن الطلب بدم عثمان، فإن عائشة هي التي ألبت على (عثمان بن عفان)، وكانت تمشي في الأسواق وترفع (قميص) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقول:
(هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبل، وعثمان قد أبلى سنته). (راجع: شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج20/ص22. الجمل: الشيخ المفيد، ص228. النصائح الكافية: محمد بن عقيل، ص173).
ويذكر الطبري وغيره: أن عائشة، كانت تقول: (اقتلوا نعثلا فقد كفر). (راجع: تاريخ الطبري: الطبري، ج3/ص477. الكامل في التاريخ: ابن الأثير، ج3/ص206. كتاب الفتوح: أحمد ابن أعثم الكوفي، ج2/ص421).
وكانت ترفع هذا الشعار في مكة المكرمة، وقد أباحتها السيدة عائشة بعد أن حرمها الله عز وجل. وكما جاء في (تاريخ الطبري): (ولما انتهت إلى (سرف) راجعة لقيها (عبد بن أم كلاب) وهو عبد بن أبي سلمة (ينسب إلى أمه) فقالت له: مهيم؟ قال: قتلوا عثمان، فمكثوا ثمانيا قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز اجتمعوا على (علي بن أبي طالب عليه السلام).
فقالت: والله ليت أن هذه (السماء) انطبقت على هذه (الأرض) إن تم الأمر لصاحبك!! ردوني ردوني. فانصرفت إلى مكة، وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه.
فقال لها: ولم؟ فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين: (اقتلوا نعثلا فقد كفر). فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول.
فقال:
  فمنك البداء ومنك الغير  
  ومنك الرياح ومنك المطر  
  وأنت أمرت بقتل الإمام  
  وقلت لنا إنه قد كفر  
  فهبنا أطعناك في قتله  
  وقاتله عندنا من أمر  
  ولم يسقط السقف من فوقنا  
  ولم ينكسف شمسنا والقمر  
  وقد بايع الناس ذا تدر  
  يزيل الشبا ويقيم الصعر  
  ويلبس للحرب أثوابها وما  
  من وفى مثل من قد غدر  

  تحذير النبي لها من الخروج وتحقق ما اخبر به صلى الله عليه وآله  
وقد حذرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفتنة، ومن الخروج، بعد أن بين لها بالتفصيل: (أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، التي تنبحها كلاب الحوأب، لا تكونيها يا حميراء). (راجع: فتح الباري: ابن حجر، ج13/ص45. المصنف: ابن أبي شيبة الكوفي، ج8/ص711. مسند ابن راهويه: إسحاق بن راهويه، ج2/ص32. الاستيعاب: ابن عبد البر، ج4/ص1885. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، ج9/ص311. سير أعلام النبلاء: الذهبي، ج2/ص198).
وجاء في (تاريخ الطبري)، عن الزهري، قال: فسمعت عائشة نباح الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا: الحوأب. فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهي، قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وعنده نساؤه: (ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب).
وروى ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال يوما لنسائه، وهن جميعا عنده: (أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة كلهم في النار، وتبحوا بعدما كادت).
وجاء في (تاريخ الطبري): عن الزهري قال: فسمعت عائشة نباح الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟. فقالوا: الحوأب. فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهي، قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب).

  علماء السنة يحملون عائشة وطلحة والزبير دماء المسلمين في الجمل  
وقد فتحوا جرحا في جسد الإسلام ظل ينزف، وتركوه بعد أن عرفوا (أن الجرح لا يندمل)، وقد يفتح جروحا عديدة، لذلك أجمع الكثير من الفقهاء (العامة) بتحميل السيدة عائشة، وطلحة، والزبير، ومروان، جريرة ما حدث في الجمل.
قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في (كتاب الإمامة): (أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريق الحديث والرأي، منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين: أن (عليا) مصيب في قتاله لأهل صفين، كما هو مصيب في أهل الجمل، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له). (راجع: فيض القدير شرح الجامع الصغير: المناوي, ج6/ص474).

  ملاحظة تثير في النفس العجب  
ولا يكاد العجب ينقضي ممن يبررون لعائشة وطلحة والزبير سفكهم لدماء عشرات الآلاف من المسلمين، ويدعون بان الداعي لهذا الفساد في الأرض هو الصلاح والإصلاح، وربما يحلو للبعض جعلها وإياهم من المجتهدين الذين يثابون على إراقتهم لهذه الآلاف من الدماء المسلمة، بينما نراهم تثور ثائرتهم ويتلجمون غيضا حينما يصل الأمر إلى ثورة الإمام الحسين عليه السلام وخروجه على يزيد بن معاوية لعنه الله، فنراهم يعلنون وبكل وقاحة خطأ خروج الإمام الحسين عليه السلام على يزيد، مع ادعائهم لحصول المفسدة بخروجه وثورته عليه السلام على ذلك الطاغية العنيد. فأي مقاييس هذه التي تجعل من خروج عائشة وقتلها لآلاف المسلمين مصلحة وإصلاح واجتهاد، بينما تجعل من خروج الإمام الحسين مفسدة وخطأ وعدم صلاح، { لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وأهل بيته الطاهرين.



 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة