الخميس، 20 ربيع الثاني 1438 - Thursday, 19 January 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  دور المرأة المسلمة في الطف  
بقلم: العلوية الطاهرة الشهيدة بنت الهدى  

فما أروعه من لقاء يجمعنا على صفحة قرطاس وفي غضون هذه الايام أيام محرم الحرام، وبعد أن عشنا الاسبوعين المنصرمين مع أعظم كارثة اسلامية نستعيد ذكراها المستقرة في أعماق نفوسنا نحن المسلمين، ونمجد خلودها الصاعد من العصور، ونتابع حوادثها البطولية الرائعة، لنستمد منها أسمى معاني الكفاح المتبلور بالاشعاعات السماوية والزاخر بالمثل الروحانية، المليء بكل المعاني الخيرة التي تمثلت في يوم الطف من عاشوراء، ذلك اليوم الذي لم يزل ولن يزال عبرة في صدور المسلمين وغره في تاريخ الاسلام ومشعلاً وهاجاً ينشر معالم العزة القعساء والايمان الصحيح، وطريقاً مهيعاً للخلود الروحي، والبقاء الادبي المعنوي.

واني لحريصة في مقالنا هذا أن أغتنم هذه الفرصة لأتحدث فيها عن دور من أهم أدوار هذه الذكرى المقدسة الذي يجيء أثر دور الإمام (عليه السلام) مباشرةً فأذكر (زينب) (زينب).. بنت علي (عليه السلام) وأخت الحسين (عليه السلام) سليلة البيت الهاشمي العريق، وعقيلة الطالبين، وزهرة أهليها الاعلين وريحانة النبوة السماوية، وقداحة الشجرة المباركة، التي أصلها ثابت في الارض وفروعها في السماء (زينب)، هذه التي ربت وترعرعت في مهد الحنان الفاطمي والعطف المحمدي، والتي هيئت منذ اليوم الاول لتسجل أروع صفحة في جهاد المرأة المسلمة، والتي أحاطتها ظلال عاشوراء منذ الفجر الاول لولادتها، فهذا التاريخ يحدثنا صادقاً وحتى على لسان المستشرقين أمثال (رونالدسون) في كتابه (عقيدة الشيعة) و(لامنس) في كتاب (فاطمة وبنات محمد) نعم يحدثنا أن البيت النبوي كان يرى في وليدته الصغيرة جيشاً صامداً أمام حوادث الدهر المقبلة فأخذ يهيئها لذلك، ويوقد في حناياها النور المقدس والنار الحماسية، وعندما لمح لها الإمام (عليه السلام) في يوم من الأيام عن دورها المقبل أجابته في جدٍّ رصين (( أعرف ذلك يا أبي أخبرتني به أمي لتهيئني لغدي )) يا لله ويا للروعة عقيلة بني هاشم، ويا لعقيدة الإسلام، التي تهب الروح المسلمة طاقة تتقاصر دونها الطاقات.

ثم درجت زينب (عليها السلام) وتقدمت بخطاها نحو صباها الحزين بعد فقد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) والام الرؤوم ومضت مضطلعة بوصية الام النائية، وأصبحت للحسن (عليه السلام) والحسين (عليه السلام) أُماً ثانية لا يعوزها حنان الأمومة بما فيه من إيثار وتضحية، ثم تتابعت الحوادث وتعاقبت وعقيلتنا تتابعها عن بعد وقرب، وقد اندمجت مع رسالة جدها الخالدة تستمد منها النور الوهاج والقبس المضيء حتى وقفت بها عجلة الزمن في يوم عاشوراء يوم النور الخالد،ويوم الجهاد الشامخ، فكانت هي أول من تحسس مواطن الخطر في كربلاء وحينما سمعت الإمام (عليه السلام) يقول (( يا دهر أف لك من خليـل )) تخرج إليـه وهي تقول (( وا ثكلاه ليت الموت اعدمني الحياة )) فيروح أخوها الحبيب يسليها ويواسيها. ثم يشرح لها الوضع الراهن على حقيقته، ويوصيها بوصاياه.

ومنذ تلك الساعة أخذت على عاتقها تحمل المسؤولية الكبرى واضطلعت بأروع مهمة تاريخية، وهي تركيز نداء الحق الذي استشهد لأجله آلها الميامين،فنراها وقد خرجت من المعركة،وبعد إذ فقدت فيها أعز ما يفقد، نراها شامخة كالطود، راسخة كالجبل الأشم، تخاطب يزيد فتقول: ( أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الاُسارى أن بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة وأن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوثقة، والأمور متسقة.. فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: )ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيراً لأنفسهم، انما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين( ، فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك.. ولأن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً، حينما لا تجد إلا ما قدمت يداك ).
هكذا خرجت بنت علي (عليه السلام) من الطف وهي أرفع ما تكون روحاً، وأرسخ ما تكون عقيدةً وثباتاً، ولقد كانت خطبتها المأثورة في الكوفة هي الشرارة الأولى للأخذ بالثأر وحركة التوابين، فلقد كفكفت دموعها وهي تلمح الكوفة مهد صباها اليانع، وعاصمة عزها الشامخ وأشارت للدموع الباكية بالسكوت ثم قالت: ((  أما بعد يا أهل الكوفة.. أتبكون، فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة، أنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون إيمانكم دخلاً بينكم..ألا ساء ما تزرون، أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترخصوها بغل بعدها أبداً، أتعجبون لو أمطرت السماء دماً، ألا ساء ما سولت أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون ..))
استمرت بنت الرسالة تدعو إلى رسالة الإسلام على يقين وبصيرة لم يشغلها المصاب الهائل، ولم تقعد بها الشدائد عن المضي قدماً في طريق الدعوة والهداية، حتى أنها كانت امتداداً لحياة أخيها الحسين (عليه السلام) وآلها الأطهار، فلنقتبس ومضة من روحها الجبارة ولنستمد طاقة من طاقاتها المثالية، لنحتفظ بكياننا الاجتماعي، الذي بنتهُ لنا، هي وآلها الميامين تحت راية الإسلام الشامخة ولواء القرآن المظفر، ولا يقعدن وهن أو كَل، فهذا الغد المشرق يفتح ساعديه لاستقبالنا لنرقي إليه وبيميننا القرآن وبشمالنا كلمة ( لا اله إلا الله فالغد لنا أن شاء الله).
 غد لنا لا لمبادي العدى
غد لنا تزهر في أفقه
غد لنا إذا تركنا الونى
غد لنا إذا عقدنا الولى
لا وهن لا تشتيت لا فرقة
إذ ذاك لا نرهب كل ألدنا
غد لنا وما احيلي غدا
إذ ينتشر دستور إسلامنا
ولا لأفكارهم القاحلة
أمجادنا وشمسهم مائلة
ولم تعد أرواحنا خاملة
لديننا في اللحظة الفاصلة
نصبح مثل الحلقة الكاملة
ولا نبالي نكبة نازلة
كل الأماني في غد مائلة
تهدي الورى أفكاره الفاضلة 


 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة