الاثنين، 29 ربيع الأول 1439 - Monday, 18 December 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  صلح الإمام الحسن المجتبى عليها السلام  
 
  من الشبهات العقائدية التي طبّل لها المتزلفون لحكام عصورهم هي الصلح الذي جرى بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية بن أبي سفيان حيث ذهب البعض إلى إثارة شبهتين حول هذا الصلح:
الأولى مفادها: أنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام لم تكن بينهم وبين الصحابة خلافات.
والثانية: أنّ الإمام الحسن عليه السلام قد خالف نهج أبيه علي عليه السلام ــ والعياذ بالله ــ.
 

والجواب على ذلك من أمور:
  1 .  لم يكن الصلح الذي وقع بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية منشؤه الدنيا وزمامه تقديم المصالح الشخصية وهما الأمران اللذان يكوّنان أسس العلاقات السياسية على مر التاريخ ففي القاموس السياسي للحكام يكون عدو الأمس صديق اليوم وعدو اليوم صديق الأمس.
أما في قاموس شريعة السماء فـ«حلال محمد صلى الله عليه وآله وسلم حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة»، ولذا: فمعاوية ومروان بن الحكم ونظراؤهما قبل الصلح هم أنفسهم بعد الصلح.
قال الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام لمروان بن الحكم حينما أراد أن يخطب أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر وأمها العقلية زينب عليها السلام، ليزيد بن معاوية فذكر أمام الحاضرين ان الغرض من هذه المصاهرة هو الإصلاح بين هذين الحيين.
فرد عليه الإمام الحسين عليه السلام قائلاً: «وأمّا صلح ما بين هذين الحيين، فإنا قوم عاديناكم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد أعيا النسب فكيف السبب»(1).
  2 .  أما الخلافات فلم تزل قائمة منذ أن توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكل ما من شأنه ان يخالف كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصطدم بعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبمن سار على هديهم وتمسك بحبلهم وكل ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احتضنته العترة واغدقت عليه بركاتها.
ولطالما أفصح أمير المؤمنين عليه السلام عن تلك الخلافات، ولطالما كان يبث شكواه وآلامه من تلك البدع التي عصفت بشريعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
قال عليه السلام : «قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها والى ما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي ــ فكان من جملة ما ذكر ــ ورددت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما كان عليه»(2).
  3 .  لم يكن صلح الإمام الحسن عليه السلام فيه خلاف لنهج أمير المؤمنين عليه السلام بل هو في صميم هذا النهج، ولقد أجاب الإمام الحسن عليه السلام على هذا الإشكال بنفسه حينما سأله أبو سعيد عقيصاً، قال قلت للحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وان معاوية ضال باغ؟.
فقال: يا أبا سعيد ألستُ حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماماً عليهم بعد أبي عليه السلام.
قلت: بلى.
قال: ألست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي، الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، قلت: بلى.
قال: فأنا إذن إمام لو قمت وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية هي علة مصالحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل. يا أبا سعيد إذا كنت إماما من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة.
وان كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى عليه السلام فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي؛ هكذا أنا سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل»(3).
ويرد الإمام الحسن عليه السلام على هذه الشبهة بموضع آخر فيقول عليه السلام: «والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً، فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز، خير من أن يقتلني وأنا أسيرهُ، أو يمنّ عليّ فتكون منّة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منّا والميت»(4).
ولعل هناك ما هو أعظم من هذا فمعاوية الذي استحل قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كعمار بن ياسر، ومحمد ابن أبي بكر، وحجر بن عدي الكندي، وغيرهم كيف لا يأتي بما هو أعظم من قتل الإمام الحسن عليه السلام، وهو ما صرح به الإمام الباقر عليه السلام في حديثه مع سدير، قائلاً له: «يا سدير أذكر لنا أمرك الذي أنت عليه فإن كان فيه إغراق كففناك عنه وان كان مقصراً أرشدناك.
قال: فذهبت أن أتكلم، فقال أبو جعفر عليه السلام: أمسك حتى أكفيك، ان العلم الذي وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند علي عليه السلام من عرفه كان مؤمناً ومن جحده كان كافراً، ثم كان بعده الحسن عليه السلام قلت: كيف يكون بذلك المنزلة وقد كان منه ما كان دفعها إلى معاوية؟.
فقال: أسكت فإنه أعلم بما صنع لولا ما صنع لكان أمراً عظيماً»(5).

  الحقائق التاريخية ودورها في تبديد الشبهات 
لقد تحدث التاريخ بلسان فصيح لكل من كان له عينان يعقل بهما ما يقرأ عن العلة التي دفعت الإمام الحسن عليه السلام لصلح معاوية بن أبي سفيان إذ يكفي من الحقائق التاريخية في بيان علة هذا الصلح هو قيام أشياع آل أبي سفيان بمحاولات عديدة لقتل الإمام الحسن عليه السلام فضلاً عن هروب الكثير من جيشه إلى الشام وتخاذل البعض الآخر.
فكانت تلك المحاولات كالآتي:

  المحاولة الأولى 
دس معاوية إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه انك إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي فبلغ الحسن عليه السلام ذلك فاستلام(6)، ولبس درعاً وسترها وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة إلا كذلك فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة»(7).

  المحاولة الثانية 
ولم تقف محنة الإمام إلى هذا الحد فقد أقدم المرتشون والخونة والخوارج على قتله، فقد طعنه الجراح بن سنان في فخذه، وقال الشيخ المفيد رحمه الله: ان الحسن أراد أن يمتحن أصحابه في طاعتهم له وليكون على بصيرة من أمره فأمر أن ينادى بالصلاة جماعة فلما أجتمع الناس قام خطيباً فقال:
«أما بعد فاني والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة وان ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة واني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا علي رأيي غفر الله لي ولكم وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا».
قال: فنظر الناس بعضهم البعض وهم يقولون ما ترونه يريد بما قال واندفع بعضهم يقول والله يريد ان يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه فقالوا: كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته ثم شد عليه عبدالرحمن بن عبدالله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالساً متقلداً السيف بغير رداء ثم دعا بفرسه فركبه واحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده.
فقال: أدعوا إلي ربيعة وهمدان فدعوا فاطافوا به ودفعوا الناس عنه عليه السلام وسار معهم شعوب من غيرهم فلما مر في مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح ابن سنان فأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن عليه السلام وخرا جميعاً إلى الأرض فوثب إليه رجل من شيعة الحسن عليه السلام يقال له عبدالله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده وخضخض به جوفه فكب عليه آخر يقال له ضبيان ابن عمارة فقطع أنفه فهلك الرجل من ذلك، وأخذ آخر كان معه فقتل، وحمل الحسن عليه السلام على سرير إلى المدائن(8).
أفبعد هذا كيف لا تتم مهادنة الإمام عليه السلام لمعاوية وتفويت الفرصة عليه في أخذ الإمام أسيراً فإما أن يقتله واما أن يطلقه فيمّن معاوية ابن الطلقاء يوم فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة على ابن سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

(1) المناقب لابن شهر: ج4، ص 38.
(2) الكافي: ج8، ص59.
(3) علل الشرائع: الصدوق: ج1، ص 211.
(4) الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص10.
(5) علل الشرائع: ج1، ص211.
(6) استلام: أي لبس لأمة الحرب.
(7) علل الشرائع للصدوق: ج1، ص221.
(8) الإرشاد للمفيد: ج2، ص19. 


 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة