السبت، 7 محرّم 1436 - Saturday, 01 November 2014
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  ظلامة فاطمة عليها السلام  
 
  النبي الأعظم أخبر عن ظلامة فاطمة عليها السلام 
روى الشيخ الصدوق رحمه الله عن سعيد بن جبير، عن عبدالله بن عباس ــ في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ أنه قال: «واني لما رأيتها ــ أي فاطمة عليها السلام ــ ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت أرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمداه فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث تزال بعدي محزونة مكروبة باكية، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة، وتتذكر فراقي أخرى، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة ( إن الله اصطفاكِ وطهركِ واصطفاكِ على نساء العالمين ) (1)، يا فاطمة ( اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ((2).
ثم يبتدئ بها الوجع فتمرض فيبعث الله إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علتها، فتقول عند ذلك: «يا رب إني قد سئمت الحياة وتبرمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي»، فيلحقها الله عز وجل بي، فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم علي محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك: «اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها حقها، وأذل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبها، حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك آمين»(3).

  اغتصاب أرضها ومنعها نحلتها 
من المظالم التي أحلت بفاطمة عليها السلام مصادرة ارض فدك التي نحلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها في حياته، وكان لها عليها السلام وكلاء على هذه الأرض زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما توفي عليها السلام صودرت هذه الأرض وطردَ منها وكلاء بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما دعى فاطمة عليها السلام أن تخرج إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتلقي فيه خطبتها المشهورة التي حاججت فيها القوم على ما ارتكبوا من ظلم في حقها وانتهاك حرمتها. فوجدت على من ظلمها ولم تكلمه حتى ماتت عليها السلام»(4).
فكانت هذه الظلامة منذ ذلك الوقت والى ظهور مهدي آل محمد عجل الله فرجه الشريف قائمة وذات لوعة في قلوب الأئمة وكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ويخشى عقاب ربه.
ولقد اظهر الأئمة تظلمهم في فدك وبيان ظلامة بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن كلام لأمير المؤمنين عليه السلام يظهر فيهم تظلمه أنه قال: «فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين. ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في عند جدث تتقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يد حافرها، لأضغطها الحجر والمدر، وسد فرجها التراب المتركم وانما هي نفسي أروضها بالتقوى لا تأتي آمنة يوم الفزع الأكبر»(5).

  شكايتها لعلي عليهما السلام  
لما منعت فاطمة عليها السلام ارثها ونحلتها وخمسها ولم تجد من ينتصر لها من المسلمين بعد ما خرجت إليهم تستنهضهم على دفع ظلامتها ورد حقها إليها فلم تجد فيهم من ناصر ولا من يخاف الله في عترة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
عادت مكسورة الخاطر، مهظومة، مقهورة مظلومة، ولعل ألهما منهم كان أكبر من اغتصاب نحلتها وضع خمس ولدها.
قال: عبدالله بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: «ثم انكفأت عليها السلام، وأمير المؤمنين يتوقع رجوعها إليه، ويتطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار قالت لأمير المؤمنين عليه السلام: «يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة ابني: لقد أجهد في خصامي، وألفيته الد في كلامي حتى حبستني قيلة ــ أي الأنصار ــ نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة وعدت راغمة، أضرعت خدك يوم أضعت حدك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً، ولا أغنيت طائلاً، ولا خيار لي، ليتي مت قبل هنيئتي، ودون ذلتي عذيري الله منه عادياً ومنك حامياً، ويلاي في كل شارق!، ويلاي في كل غارب، مات العمد، ووهن العضد، شكواي إلى أبي! ودعواي إلى ربي، اللهم إنك أشد منهم قوة وحولاً، وأشد بأساً وتنكيلا».
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا ويل لك بل الويل لشانئك ثم نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فأن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما أعد لك أضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله.
فقالت: حسبي الله وأمسكت»(6) صلوات الله وسلامه عليها.

  فاطمة عليها السلام تبث شكواها إلى نساء المهاجرين والأنصار  
روى الشيخ الطبرسي رحمه الله عن سويد بن غفلة، أنه قال: «لما مرضت فاطمة عليها السلام، المرضة التي توفيت فيها دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار يعدنها، فقلن لها: كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
فحمدت الله، وصلت على أبيها صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قالت عليها السلام: «أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم وسئمتهم بعد أن سبرتهم فقبحا لفلول الحد واللعب بعد الجد، وقرع الصفات، وصدع القناة، وختل الآراء، وزلل الأهواء، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم ( أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ) (7).
لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وحملتهم أوقتها وشننت عليهم غاراتها فجدعا، وعقرا، وبعدا للقوم الظالمين، ويحهم أنى زعزعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين بأمور الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن عليه السلام، نقموا والله منه نكير سيفه وقلة مبالاته لحتفه، وشدة وطأته ونكال نقمته، وتنمره في ذات الله، وتالله لو مالوا عن المحجة اللايحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة، لردهم إلهيا، وحملهم عليها ولسار بهم سيراً سجحاً لا يكلم حشاشه ولا يكل سائره ولا يحل راكبه، ولأوردهم منهلا نميرا، صافيا، رويا، تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه ولأصدرهم بطانا، ونصح لهم سرا وإعلانا، ولم يكن يتحلى من الدنيا بطائل، ولايحظى منها بنائل غير ري الناهل، وشبعة الكافل، ولبان لهم: الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب،( ولو أن أهل القرى إمنوا وأتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) ، ( والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين ) (8).

  بيت الأحزان  
من المظالم التي وقعت على بضعة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم منعها من البكاء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن كانت تتعاهد قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنياحة والبكاء.
قال العلامة شرف الدين رحمه الله: «وهنا نلفت أولي الألباب إلى البحث عن السبب في تنحي الزهراء عليها السلام عن البلد في نياحتها على أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وخروجها بولديها في لمة من نسائها إلى البقيع يندبن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ظل ــ شجرة ــ أراكة كانت هناك، فلما قطعت بنى لها علي عليه السلام بيتاً في البقيع كانت تأوي إليه للناحية، يدعى: «بيت الأحزان» وكان هذا البيت يزار في كل خلف من هذه الأمة»(9).
اما كيف تم منعها من البكاء؟ فيقول العلامة المحدث محمد باقر المجلسي: «أجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له: يا أبا الحسن إن فاطمة عليها السلام تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فراشنا، ولا بالنهار لنا قرار على اشغالنا وطلب معايشنا، وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلاً أو نهاراً، فقال عليه السلام: حبا وكرامة.
فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام حتى دخل على فاطمة عليها السلام وهي لا تفيق من البكاء، ولا ينفع فيها العزاء فلما رأته سكنت هينئة له فقال لها: «يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ان شيوخ المدينة يسالوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلاً وإما نهاراً».
فقالت عليها السلام: «يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم فوالله لا سكت ليلاً ولا نهاراً أو ألحق بأبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، فقال لها علي عليه السلام: «افعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك».
ثم أنه بنى لها بيتاً في البقيع نازحا عن المدينة يسمى بيت الأحزان وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين عليهما السلام أمامها وخرجت إلى البقيع باكية فلا تزال بين القبور باكية فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين عليه السلام فردها إلى المنزل»(10).

  (1) سورة آل عمران، الآية: 42.
(2) سورة آل عمران، الآية: 43.
(3) الأمالي للشيخ الصدوق: ص 176، ط مؤسسة البعثة.
(4) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما بإسنادهما إلى عائشة فراجع من صحيح البخاري أواخر باب غزوة خيبر: ص 36، من جزئه الثالث وراجع من صحيح مسلم، باب: لا نورث ما تركناه فهو صدقه: ج3، ص 72.
(5) نهج البلاغة: ج3، ص 71، الخطبة 45.
(6) الاحتجاج للطبرسي: ج 1، ص 145، ط دار النعمان.
(7) سورة المائدة، الآية: 80.
(8) الاحتجاج:ج 1، ص 147 ــ 149، ط دار النعمان.
(9) النص والاجتهاد: ص 302، ط مطبعة سيد الشهداء عليه السلام.
(10) البحار: ج 43، ص 178.


 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة