الأحد، 28 ربيع الأول 1439 - Sunday, 17 December 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  استشهاد فاطمة عليها السلام  
 
   مرضها عليها السلام 
بعد أن أصيبت فاطمة عليها السلام بتلك المصائب العظيمة من كسر ضلعها وإسقاط جنينها(1)، ومواصلة نوحها وبكاءها على فقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فان هذا الحال وجهد البلاء لم يمكنها من المواصلة في العيش؛ «فقد مرضت واشتد مرضها، فلزمت الفراش وقد نحل جسمها وذاب لحمها وصارت كالخيال، وعاشت بعد أبيها صلى الله عليه وآله وسلم سبعين يوماً»(2).
«فجاءها العباس بن عبد المطلب عم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عائداً فقيل له: انها ثقيلة، وليس يدخل عليها أحد، فانصرف إلى داره فأرسل إلى علي عليه السلام فقال لرسوله: قل له: يا ابن أخ عمك يقرئك السلام، ويقول لك قد فجأني من الغم بشكاة حبيبة رسول الله وقرة عيني فاطمة ماهدني، واني لأظنها أولنا لحوقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله يختار لها ويحبوها ويزلفها لديه، فإن كان من أمرها ما لابد منه فاجمع ــ أنا لك الفداء ــ المهاجرين والأنصار حتى يصيبوا الأجر في حضورها والصلاة عليها، وفي ذلك جمال الدين. فقال علي عليه السلام لرسوله وأنا حاضر عنده؛ أبلغ عمي السلام، وقل: لا عدمت اشفاقك وتحننك، وقد عرضت مشورتك ولرأيك فضله، إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تزل مظلومة من حقها ممنوعة، وعن ميراثها مدفوعة، لم تحفظ فيها وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا رعي فيها حقه، ولا حق الله ــ عز وجل ــ وكفى بالله حاكما ومن الظالمين منتقماً وإني أسألك يا عم أن تسمح لي بترك ما اشرت به، فإنها وصتني بستر أمرها.
قال: فلما أتى العباس رسوله بما قاله علي عليه السلام، قال: يغفر الله لابن أخي فانه لمغفور له، ان رأي ابن أخي لا يطعن فيه، انه لم يولد لعبد المطلب مولود أعظم بركة من علي إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان علياً لم يزل اسبقهم إلى كل مكرمة وأعلمهم بكل قضية وأشجعهم في الكريهة وأشدهم جهاداً للأعداء في نصرة الحنيفية، وأول من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم»(3).

  وصيتها في أموالها 
روى المجلسي عن مصباح الأنوار عن أبي جعفر عليه السلام قال محمد بن اسحاق: وحدثني أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام: «أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتبت هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتبت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حالها أن حدث بها حادث تصدقت بثمانين أوقية تنفق عنها من ثمارها التي لها كل عام في كل رجب بعد نفقة السقي ونفقة المغل وأنها أنفقت أثمارها العام وأثمار القمح عاماً قابلاً في أوان غلتها، وانما أمرت لنساء محمد أبيها خمس وأربعين أوقية، وأمرت لفقراء بني هاشم وبني عبدالمطلب بخمسين أوقية. وكتبت في أصل مالها في المدينة أن علياً عليه السلام سألها أن توليه ما لها فيجمع ما لها إلى مال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تفرق وتليه ما دام حياً, فإذا حدث به حادث دفعه ابني الحسن والحسين فيليانه.
وإني دفعت إلى علي بن أبي طالب عليه السلام على إني أحلله فيه فيدفع مالي ومال محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يفرق منه شيئاً، يقضي عني أثمار المال ما أمرت به وما تصدقت به، فإذا قضى الله صدقاتها وما أمرت به فالأمر بيد الله تعالى وبيد علي يتصدق وينفق حيث شاء لا حرج عليه، فإذا حدث به حدث دفعه إلى ابني الحسن والحسين المال جميعاً مالي ومال محمد صلى الله عليه وآله وسلم فينفقان ويتصدقان حيث شاءوا لا حرج عليهما وان لابنة جندب ــ بنت أبي ذر الغفاري ــ التابوت الأصغر في المال ما كان، ونعلي الآدميين، والنمط، والجب، والسرير, والزريبة، والقطيفتين، وان حدث بأحد ممن أوصيت له قبل أن يدفع إليه فانه ينفق في الفقراء والمساكين، وان الأستار لا يستتر بها امرأة الا إحدى ابنتي, غير أن علياً يستتر بهن ان شاء ما لم ينكح، وان هذا ما كتبت فاطمة في مالها وقضت فيه والله شهيد والمقداد بن الأسود والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب كتبتها وليس على علي حرج فيما فعل من معروف.
قال جعفر محمد: قال أبي: هذا وجدناه وهكذا وجدنا وصيتها عليها السلام»(4).

  وصيتها في نفسها 
حينما قرب أجل فاطمة عليها السلام وحضرتها الوفاة أوصت إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام بوصايا في نفسها فقالت: «إني أوصيك في نفسي وهي أحب الأنفس إلي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أنا مت فغسلني بيدك وحنطني وكفني وادفني ليلاً، ولا يشهدني فلان وفلان ولا زيادة عندك في وصيتي إليك واستودعتك الله تعالى حتى ألقاك، جمع الله بيني وبينك في داره، وقرب جواره، وكتب ذلك علي عليه السلام بيده»(5).
وعن جعفر بن محمد عليهما السلام عن آبائه عليهم السلام قال: «لما حضرت فاطمة الوفاة بكت، فقال لها: مما بكائك؟ قالت: مما يصيبك بعدي، فقال لها: لا تبكي، فوالله ان ذلك لصغير عندي في ذات الله.
قال عليه السلام: وأوصته أن لا يؤذن بها الشيخين؛ ففعل»(6).
وعن يحيى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي عليه السلام قال: قالت فاطمة لعلي عليه السلام: أن لي إليك حاجة يا أبا الحسن؟
فقال عليه السلام: تقضى يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقالت: أنشدتك بالله وبحق محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن لا يصلي علي فلان وفلان»(7).
وعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام عن آبائه عليه السلام قال: «لما احتضرت أوصت علياً عليه السلام فقالت: «إذا أنا مت فتول أنت غسلي وجهزني، وصل علي، وأنزلني قبري، والحدني وسو التراب علي، وأجلس عند رأسي قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء فإنها ساعة يحتاج الميت فيها إلى انس الأحياء»(8).

  تغسيلها وتحنيطها وتكفينها عليها السلام 
روى الشيخ عباس القمي رحمه الله: ان أمير المؤمنين علي عليه السلامحينما أخبره الحسن والحسين عليهما السلام بموت أمهما عليها السلام وقع مغشياً عليه، فرشوا على وجهه الماء فلما أفاق حمل الحسن والحسين ودخل على فاطمة عليها السلام وهو يقول: «بمن العزاء يا بنت محمد، كنت بك أتعزى ففيم العزاء من بعدك».
وسرعان ما انتشر خبر وفاة بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، فصاح أهلها صيحة واحدة، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها تتزعزع فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة ان تتزعزع لصراخهن وهن يقلن: يا سيدتاه، يا بنت رسول الله، واقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي عليه السلام وهو جالس والحسن والحسين عليهم السلام بين يديه يبكيان، فبكى لبكائهما، وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة تجر ذيلها، متجللة بردائها وقد غلب عليها نشيجها، وهي تقول: الله يا أبتاه, يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, الآن حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً؛ واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون وينتظرون ان تخرج الجنازة فيصلون عليها فخرج أبو ذر الغفاري وقال: انصرفوا فان ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد آخر إخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا.
فلما جن الليل غسلها أمير المؤمنين عليه السلام ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم عليهم السلام وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس.
قال علي عليه السلام: «والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها، فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة، ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكفنتها وأدرجتها في أكفانها فلما هممت ان أعقد الرداء ناديت يا أم كلثوم يا زينب يا سكينة يا فضة يا حسن يا حسين هلموا تزودوا من أمكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة.
فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وهما يناديان: واحسرة لا تنطفئ أبداً من فقد جدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فأقرينه منا السلام وقولي له: أنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إني أشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتهما إلى صدرها مليا؛ وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماء فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب، قال: فرفعتهما عن صدرها»(9).

  تشيعها ودفنها عليها السلام 
فلما أن هدت العيون، ومضى شطر من الليل، أخرجها علي والحسن والحسين عليهم السلام، وعمار والمقداد والزبير وأبو ذر وسلمان وبريرة، ونفر من بني هاشم وخواصه، صلوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوى علي عليه السلام حواليها قبور مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها الا ان المشهور هو أنه لم يشهد أحد جنازتها غير ولديها وعلي أمير المؤمنين عليه السلام.
وروي أنه عليه السلام لما دفن فاطمة عليها السلام وعفى موضع قبرها ونفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن فأرسل دموعه على خديه، وحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «السلام عليك يا رسول الله عني، وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك وجدي، ورق عنها تجلدي إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها، فاصفها السؤال واستخبرها الحال، فكم من هم مختلج في صدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً، هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فإن انصرف فلا عن ملامة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين»(10).
وانشد يقول:
أرى علل الدنيا علي كثيرة * * * * وصاحبها حتى الممات عليل
لكل اجتماع من خليل فرقتاً * * * * وكل الذي دون الممات قليل
وان اعتقادي فاطمة بعد * * * * احمد دليل على ان لا يدوم خليل
وكيف يهناك العيش من بعد فقدهم * * * * لعمرك شيء ما إليه سبيل
سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي * * * * ويظهر بعدي للخليل بديل(11)


(1) الأمالي للشيخ الصدوق: ص 176، ط مؤسسة البعثة.
(2) مستدرك الوسائل للنوري: ج 2، ص 361، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
(3) الأمالي للطوسي: ص 156، ط دار الثقافة.
(4) البحار: ج 100، ص 186.
(5) البحار: ج 100، ص 186.
(6) البحار: ج 78، ص 390.
(7) مستدرك الوسائل: ج 2، ص 290.
(8) مستدرك الوسائل: ج 2، ص 477.
(9) الأنوار البهية للشيخ عباس القمي: ص 63.
(10) الأنوار البهية للشيخ عباس القمي.
(11) الأمالي للصدوق: ص 58، شرح الأخبار للقاضي: ج 3، ص 69. 



 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة