الاثنين، 1 شوّال 1438 - Monday, 26 June 2017
السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی اولاد الحسين وعلی اصحاب الحسين

  الحث على إقامة شعائر عاشوراء  
 

بمناسبة أيام محرم الحرام صدر عن شعبة الدراسات والبحوث الإسلامية ـ وحدة النشر الثقافي، فولدر بعنوان: (الحث على إقامة شعائر عاشوراء).

  الحث على إقامة شعائر عاشوراء  
قد قضى العقل والدين باحترام عظماء الرجال أحياء وأمواتا وتجديد الذكرى لوفاتهم وشهادتهم وإظهار الحزن عليهم لاسيما من بذل نفسه وجاهد حتى قتل لمقصد سام وغاية نبيلة وقد جرت على ذلك الأمم في كل عصر ومصر وجعلته من أفضل أعمالها وأسنى مفاخرها فحقيق على المسلمين بل جميع الأمم أن يقيموا الذكرى في كل عام للحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام فإنه من عظماء الرجال وأعاظمهم في نفسه ومن الطراز الأول، وحقيق بمن كان كذلك أن تقام له الذكرى في كل عام وتبكي له العيون دما بدل الدموع.

ونظرا لأهمية واقعة عاشوراء ومراسيمها وإحياء قيمها وشعائرها دأب الإمامية وبذلك أفتى ووجه علماء الطائفة الحقة واهتموا بها وبإحيائها وحثوا كل فرد من أفراد المذهب بل كل المسلمين بالاهتمام بإحيائها، ولو لم يكن الاهتمام بالواقعة وما يرتبط بها من الشعائر والسنن لزالت ولسرى الشك في كل ما يرجع إليها حتى في أصل وجود الإمام الحسين عليه السلام، وما جرى عليه وعلى أهل بيته وصحبه من المصائب العظام والرزايا الجسام، فإن الأعداء كانوا وما زالوا يرومون محو هذا الشعار الذي هو الركن في بقاء الإسلام ولولا اهتمام علمائنا، ولولا الأوامر الأكيدة الصادرة عن الأئمة عليهم السلام وعلماء الطائفة الأعلام وحثهم وتحريضهم للشيعة على إقامة الشعائر وترويجها بكل شكل ووسيلة وطريقة، وقيام الشيعة أثر علمائنا بهذا الشعار المقدس أحسن قيام طول التاريخ، لزال هذا الشعار وانقلب إلى أمر ممنوع لاجتهاد أعداء الإسلام بمحاربته بكل أنواع الحرب العلمية والإعلامية والعملية.

وإليك بعض ما حث به الأعلام من علماء الطائفة لإقامة الشعائر الحسينية وتشييدها مقتصرين على بعض الأقوال مراعاة الاختصار:

 أولا: 
ما أجاب به آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي حينما سُئِل: ما هو رأيكم في الشعائر الحسينية، وما هو الرد على القائلين، بأنها طقوس لم تكن على عهد الأئمة الأطهار: فلا مشروعية لها؟ فأجاب: (كانت الشيعة في عهد الأئمة عليهم السلام تعيش التقية، وعدم وجود الشعائر في وقتهم لعدم إمكانها لا يدل على عدم المشروعية في هذه الأزمنة، ولو كانت الشيعة في ذاك الوقت تعيش مثل هذه الأزمنة من حيث إمكانية إظهار الشعائر وإقامتها لفعلوا كما فعلنا، مثل نصب الأعلام السوداء على أبواب الحسينيات بل الدور إظهارا للحزن، ولو كان ذاك بدعة لكان هذا أيضا بدعة، حيث لم يكن في زمن الأئمة عليهم السلام، وبالجملة فكل هذا يدخل تحت شعائر الله، وإظهارا للحزن بما أصاب الإمام الحسين عليه السلام وأهله وأصحابه أو سائر الأئمة عليهم السلام، والله العالم)(1).

 ثانيا: 
ما تفضل به الشيخ آية الله العظمى لطف الله الصافي حيث قال: (وإني لا يكاد ينقضي عجبي ممن يطلب مني ومن غيري تسجيل استحباب البكاء، والتعزية، والإبكاء، وإحياء الشعائر الحسينية، بكل شكل ونوع ما لم يكن منهيا عنه في الشرع، وقد أفتى به الأساطين وسعوا في ترغيب الناس إليه، وألفوا فيه كتبا مفردة، فقلما تجد كثرة الروايات في موضوع من الموضوعات، مثل ما جاء في البكاء على الحسين عليه السلام، والتباكي، والإبكاء عليه، وإنشاء الشعر وإنشاده في مصائبه، وإظهار الحزن عليه بكل نحو مشروع، وقد أخرج هذه الروايات في كل عصر مختلف الرواة الثقات ورجالات علم الحديث، وهي فوق التواتر).

ولا يخفى عليك يا أخي أن هذه الناشئة الخبيثة، التي هي من أذناب الاستعمار وعملائه، وتعد نفسها من أهل الثقافة، تريد صرف أذهان الناس عن هذه الشعائر، لأنها تحيي أمجادنا الإسلامية، وتوقظ شعور المسلمين، وتزين للنفوس التضحية في سبيل إحياء الحق، وتنفر الشعوب عن الظلمة والمستعمرين، وأولئك الذين اتخذوا الناس خولا، ومال الله دولا، ولا غرو فإن المستعمرين والطواغيت لا يرتضون سيرة الحسين عليه السلام ولا يحبون إحياء ذكره، واهتداء الناس إلى مأساة كربلاء.

فهذه الشعارات الحسينية، وهذه الألوية التي تنصب على بيوت التعزية، وتحمل مع الهيئات في الطرق والشوارع، تهدد كيان الظلمة والمستكبرين، وتشجع الشعوب للقيام والقضاء عليهم وإبطال باطلهم.

هذه الشعارات تقوي في النفوس حب الخير، وحب أولياء الله، وحب الشهادة في سبيل الله، وحب إعلاء كلمة الله، وحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهل الإيمان إلا الحب؟

إذا فلا نعبأ بالاستعمار، ولا نتوقع من أذنابه تأييد هذه الشعائر، فكل إناء بالذي فيه يرشح، فلا يضر التفكر الشيعي وأصالته الأصيلة الإسلامية قول من يقول، عداءً لأهل البيت عليهم السلام، إن الصفوية ابتدعوا هذه الشعائر، وحملوا الناس عليها، بعد ما دلت الأحاديث الصحيحة المتواترة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين سلام الله عليهم هم الذين سنوا النياحة والبكاء والتباكي والإبكاء على مولانا الحسين عليه السلام، وهم الأصل في الشعائر الحسينية، وهم الذين رغبوا الناس بذكراه وإنشاد الأشعار وغير ذلك، فصارت بذلك سنة إلى يوم القيامة لا يقدر على محوها جبار ولا مستعمر ولا مستكبر.

وبالجملة فلا تجد في عبادة مستحبة وعمل راجح ما ورد في ثواب النياحة والنوحة والبكاء على سيدنا أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وفي ثواب زيارة قبره، وكل ما يرجع إلى إحياء أمره من تذكر عطشه عند شرب الماء، وتذكر مصائبه عند المصائب، ومن أنكر هذه الأمور فهو كمنكر الشمس في رائعة النهار(2).

 الأستاذ السيّد أحمد فهمي  
وقد أدرك الحسين أنّه مقتول؛ إذ هو يعلم علم اليقين قبح طوية يزيد، وإسفاف نحيزته، وسوء سريرته، فيزيد بعد قتل الحسين ستمتد يده إلى أن يؤذي النبي «صلّى الله عليه وآله» في سلالته، من قتل الأطفال الأبرياء، وانتهاك حرمة النساء، وحملهنَّ ومَنْ بقي من الأطفال من قفرة إلى قفرة، ومن بلد إلى بلد، فيثير مرأى أولئك حفيظة المسلمين، فليس ثمة أشنع ولا أفظع من التشفّي والانتقام من النساء والأطفال بعد قتل الشباب والرجال، فهو بخروجه بتلك الحالة أراد أن يثأر من يزيد في خلافته، ويقتله في كرامته. وحقّا لقد وقع ما توقّعه، فكان لما فعله يزيد وعصبته من فظيع الأثر في نفوس المسلمين، وزاد في أضغانهم ما عرّضوا به سلالة النبوّة من هتك خدر النساء، وهنَّ اللاتي ما عرفنَ إلاّ بالصيانة والطهر، والعزّ والمنعة، ممّا أطلق ألسنة الشعراء بالهجاء والذمّ، ونفّر أكثر المسلمين من خلافة الأمويّين، وأسخط عليهم قلوب المؤمنين، فقد قتله الحسين أشدّ من قتله إيّاه(3).

  ثالثا:  
وقال آية الله السيد محمد جعفر الجزائري المروّج: (لا يبعد أيضا خروج الضرر والحرج المترتبين على ما جرت به العادة في المآتم الحسينية من اللطم على الخدود وشق الجيوب عن هاتين القاعدتين، قال الإمام الصادق عليه السلام في حديث طويل رواه خالد بن سدير: «وقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي عليهما السلام»، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب).

فإن لطم الخدود خصوصا عند العرب مستلزم غالبا للمشقة والتألم وتغير اللون بل والضرر.. بل التعدي عن اللطم إلى غيره مما يصنعه الشيعة جيلا بعد جيل، بل وغيرهم من سائر الفرق الإسلامية في المواكب العزائية بحيث صار من الشعائر الحسينية من الضرب بالأيدي على الصدور وبالسلاسل على الظهور وغير ذلك كتلطيخ وجوههم ورؤوسهم، بل جميع أبدانهم بالوحل أو التراب والتبن كما هو المرسوم في بعض بلاد الشيعة في أيام عاشوراء.

إذ الظاهر أنه لا خصوصية للطم الخدود، والمقصود بيان رجحان إظهار الحزن الشديد والتأثر العميق لمصابه صلوات الله عليه وأرواحنا فداه كما يدل عليه جملة من الروايات، ومن المعلوم اختلاف كيفيات الأعمال المهيجة للشجون والأحزان في مختلف البلاد والأحيان مع كونها بمحضر من العلماء الأعيان، وعدم إنكارهم لها في شيء من الأزمان، فلا خصوصية للطم الخدود وشق الجيوب.

  فالمتحصل:  
أن زيارته وإقامة عزائه عليه الصلاة والسلام مع اقترانهما بالضرر والحرج غالبا خارجتان عن عموم قاعدتيهما تخصصا أو تخصيصا، فلا وجه للقول بحرمتهما لهاتين القاعدتين كما قيل، أللهم اجعلنا من شيعته وزواره، والمقيمين لعزائه، والباكين عليه، ومن الطالبين بثاره مع وليه الإمام المهدي حجة أهل البيت عجل الله تعالى فرجه الشريف وصلى عليه وعلى آبائه الطاهرين وجعلنا فداه(3).

  رابعا:  
ماقاله الشيخ محمد أمين زين الدين: (لا ينبغي الريب في أن إقامة المآتم ومجالس الذكرى لمصائب المعصومين من أهل بيت النبوة عليهم السلام، وقراءة سيرتهم وتعداد فضائلهم والتعريف بمقاماتهم وعلو منازلهم من العبادات الجليلة التي يتقرب إلى الله سبحانه بها، وبالاجتماع فيها، والاستماع إلى ما يلقى فيها من الحقائق والمعارف، فإذا أقيمت هذه المحافل والذكريات في المساجد كان الحضور فيها والجلوس في محافلها والاستماع إلى الذاكرين فيها من أبر العبادات وأجلها، وإذا سبق السابق إلى المسجد والجلوس فيه لهذه الغاية ثبتت له الأولوية بالمجلس والموضع الذي جلس فيه على غيره من الواردين من بعده)(4).

  خامسا:  
ما تفضل به الشيخ الأمين حيث قال: (فكما دام حزن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مدى حياته، وكدر صفو عيشه رزء ولده العزيز، والأمر بعد لم يقع، كذلك حقيق علينا وعلى كل من صدقه صلى الله عليه وآله وسلم وصدق في ولائه، واستن بسننه، أن يدوم توجعنا وتفجعنا بالمصاب الفادح، ويكون البكاء والعويل على بضعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم سرمدا إلى يوم القيامة.

فاتخاذ الله تبارك وتعالى مشهد الإمام الحسين عليه السلام الطاهر دار حزن وبكاء لملائكته إلى يوم القيامة، وإدخار دمه في الملأ الأعلى منذ يوم رفعه إليه الإمام الحسين عليه السلام المفدى بكفيه يوم عاشوراء ولم تنزل منه قطرة، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم عاشوراء دمه ودم أصحابه في زجاجة ورفعها إلى السماء، كل هذه تومي إلى أن أمد الحزن والبكاء على الحسين السبط يمتد إلى يوم العرض الأكبر، والعبرات تسكب إلى يوم يقام للحسين العزيز مأتم عام يوم جمع الله الخلق في صعيد واحد، يسهم فيه كل البرية، إذ الرزية رزية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد البشر، وذلك حينما تحشر الصديقة أم القتيل فاطمة بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعها ثياب مصبوغة بدم كما جاء: «تحشر ابنتي فاطمة عليها السلام ومعها ثياب مصبوغة بدم، فتتعلق بقائمة من قوائم العرش، وتقول: يا جبار، أحكم بيني وبين قاتل ولدي، فيحكم لابنتي ورب الكعبة»... فالاحتفاظ بدم القتيل وثيابه رمز لدى الأمة العربية وغيرهامن الأمم بأنه لم يثأر بعد.

وما أقصه ولي الدم من القاتل، وبعد الاستئثار والثأر يندمل الجرح بالثأر المنيم، وبقضاء الحكم العدل يطيب خاطر الملهوف، وتطمئن نفسه، وينقشع همه، وتخمد نايرة الجوى، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)(5). نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وجميع أهل الإيمان من مقيمي شعائر الإمام الحسين بن علي عليهما السلام وممن يدافع عن إقامتها ويكتب في صحيفة أعماله أجر مقيميها والحاثين عليها، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وأهل بيته الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صراط النجاة للميرزا جواد التبريزي: ج2، ص562.
(2) مجموعة الرسائل للشيخ لطف الله الصافي: ج1، ص119ــ121.
(3) راجع منتهى الدراية للسيخ محمد جعفر الشوشتري.
(4) كلمة التقوى للشيخ محمد أمين زين الدين: ج5، ص211.
(5) سيرتنا وسنتنا للشيخ الأميني: ص152ــ154.

 

www.imamhussain-lib.com

 

 

شعار الموقع

 

 
مكتبة العتبة الحسينية المقدسة