من هو إيليا الذي يتمنى الأنبياء أن يحلوا سير حذائه؟!

مجلة الوارث 76
من هو إيليا الذي يتمنى الأنبياء أن يحلوا سير حذائه؟!

* الباحثة المسيحية: ايزابيلا بنيامين

سألت أحد الآباء المقدسين عن شخص ورد ذكره كثيرا في الكتاب المقدس وفي أدبيات وملاحق وتفسيرات الكتاب المقدس هذا الشخص كان منذ القدم اسمه (إيليا) فمن هو هذا الشخص؟ قال: إنه نبي من الأنبياء. فقلت له: ولكن الكتاب المقدس ينفي ذلك، ويسوع أكد بأن إيليا ليس نبيا وأنه عظيم لو تسنى له لانحنى ليحل سيور حذائه وقال عنه بأنه سوف يأتي مع نبي.

فلم يقل الأب شيئا ولكنه قال لي: عجيبة هي مسائلك سأعطيك الجواب غدا.

طبعا هذا قد مضت أكثر من سنة ولم يردني الجواب.

في سفر يسوع بن سيراخ جاء وصف لهذا الشخص المقدس. إيليا خلقه الرب منذ القدم ليكون عونا للأنبياء وغيرهم في ساعات الشدة.

الوصف يجعل القارئ يقف أمام شخصية لا يستوعبها عقله أترككم مع النص الذي هو على شكل تضرع لله باسم هذا الشخص.

جاء في سفر يشوع بن سيراخ 48:1 (وقام إيليا كالنار وتوقد كلامه كالمشعل. بعث عليهم الجوع، وبغيرته ردهم، أغلق السماء بكلام الرب وانزل منها نارا ثلاث مرات. ما أعظم مجدك يا إيليا! بعجائبك ومن له فخر كفخرك أنت الذي أقمت ميتاً من الموت ومن الجحم بكلام العلي وأبطت الملوك إلى الهلاك والمفتخرين من أسرتهم.

وسمعت في سيناء القضاء وفي حوريب أحكام الانتقام ومسحت ملوكا للنقمة وخطفت في عاصفة من النار في مركب نارية وقد اكتتبك الرب لأقضية تجري في أوقاتها. طوبى لمن عاينك ولمن حاز فخر موالاتك تكشف عما سيكون على مدى الدهور وعن الخفايا قبل حدوثها).

من هو إيليا الذي تنبأ به جميع الأنبياء وطلبوا نصرته وحتى زمن يسوع الذي تنبأ به فقال في إنجيل متى: (جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ تَنَبَّأُوا، هذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ). (إنجيل متى: 16/ 14)

من هو إيليا الذي ينقذ من نار الحريق كما في سفر دانيال حيث نورد القصة كاملة: ((نبوخذنصر) الملك صنع تمثالا من ذهب طوله ستون ذراعا وعرضه ستة اذرع ونصبه في بابل ونادى بشدة قد أمرتم أيها الشعوب والأمم والألسنة أن تخروا وتسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه (نبوخذنصر) الملك ومن لا يخر ويسجد يلقى في وسط أتون نار متقدة.

تقدم حينئذ رجال (كلدانيون) واشتكوا على (شدرخ) و(مشيخ) و(عبد نغو) هؤلاء الرجال لم يجعلوا لك أيها الملك اعتبارا آلهتك لا يعبدون ولتمثال الذهب الذي نصبت لا يسجدون.

حينئذ أمر (نبوخذنصر) بغضب وغيظ بإحضار (شدرخ وميشخ وعبد نغو) فاتوا بهؤلاء الرجال قدام الملك وقال لهم (نبوخذنصر): إن كنتم الآن مستعدين أن تخروا وتسجدوا للتمثال الذي عملته وان لم تسجدوا ففي تلك الساعة تلقون في وسط أتون النار المتقدة ومن هو الإله الذي ينقذكم من يدي.

فقالوا: هو ذا يوجد إلهنا الذي نعبده يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة وان ينقذنا من يدك أيها الملك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته.

أمر الملك جبابرة القوة في جيشه بأن يلقوهم في أتون النار المتقدة ثم أوثق هؤلاء الرجال في سراويلهم وأقمصتهم وأرديتهم ولباسهم والقوا في وسط أتون النار المتقدة والأتون قد حمي جدا سقطوا موثقين في وسط أتون النار المتقدة.

مجلة الوارث 76
من هو إيليا في الأديان؟!

حينئذ تحير (نبوخذنصر) الملك وقام مسرعا وقال لمشيريه: ألم نلقِ (ثلاثة رجال) موثقين في وسط النار؟! فأجابوا وقالوا للملك: صحيح أيها الملك، أجاب وقال: ها أنا ناظر (أربعة رجال) يتمشون في وسط النار وما بهم ضرر (ومنظر الرابع) شبيه بابن الآلهة فمن أين أتى هذا الرابع؟

ثم اقترب (نبوخذنصر) إلى باب أتون النار المتقدة فقال: يا (شدرخ وميشخ وعبد نغو) اخرجوا وتعالوا، فخرجوا من وسط النار فاجتمعت المرازبة والشحن والولاة ومشيرو الملك ورأوا هؤلاء الرجال الذين لم تكن للنار قوة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم.

(السؤال من هو هذا الرابع الذي يعرفونه بأنه شبيه بابن الله؟ والملقب إيليا؟). (سفر دانيال:3/ 6)

(وفي سفر الملوك الأول منع إيليا: المطر، (وقال إيليا لأخاب:حي هو الرب الذي وقفت أمامهُ، إنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلا عند قولي). (سفر الملوك الأول:17/1)

من هو هذا إيليا الذي يُرافق الأحداث عبر الزمن فيكون مع كل نبي ويحضر عند كل شدة؟

إيليا حضر أيام المجاعة فأكل عند أرملة فخبزت له من طحينها وزيتها القليل الذي ادخرته لها ولابنها وقالت لإيليا كما في سفر الملوك: (كيف اخبزه لك وهو آخر ما تبقى عندي سنأكله أنا وابني ونموت من الجوع.

فقال لها إيليا اخبزي لي أولا ثم اخبزي لابنك وكلما أخذت من هذا الطحين والزيت لا ينفد أبدا حتى تنتهي المجاعة. وبقيت سنين ببركة دعاء إيليا تأكل من كف الدقيق وضحضاح الزيت ولم ينفد، ثم مات ابن الأرملة، فقام إيليا وقال للرب: أتُميتُ ابن الأرملة وأنا ضيف عندها؟ أرجع يا إلهي روح الفتى إليه فرجعت روح الفتى إليه ونهض حيا). (سفر الملوك الأول: 17)

سفر الملوك الأول: (أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي، أأيْضًا إلى الأَرْمَلَةِ الَّتِي أَنَا نَازِلٌ: عِنْدَهَا قَدْ أَسَأْتَ بِإِمَاتَتِكَ ابْنَهَا؟ وَصَرَخَ إلى الرَّبِّ وَقَالَ: يَا رَبُّ إِلهِي، لِتَرْجعْ نَفْسُ هذَا الْوَلَدِ إلى جَوْفِهِ. فَسَمِعَ الرَّبُّ لِصَوْتِ إِيلِيَّا، فَرَجَعَتْ نَفْسُ الْوَلَدِ إلى جَوْفِهِ فَعَاشَ. فَأَخَذَ إِيلِيَّا الْوَلَدَ وَدَفَعَهُ لأُمِّهِ، وَقَالَ إِيلِيَّا: انْظُرِي، ابْنُكِ حَيٌّ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لإِيلِيَّا :هذَا الْوَقْتَ عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجُلُ اللهِ، وَأَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ فِي فَمِكَ حَقٌّ). (سفر الملوك الأول: 17/ 22)

ومن هو إيليا الذي يأمره الرب أن يعطي مطرا للأرض كما في: سفر الملوك الأول: (وبعد أيام كثيرة كان كلام الرب إلى إيليا قائلا: اذهب فأعطِ مطرا على وجه الأرض). (سفر الملوك الأول: 18/ 1)

ومن هو إيليا الذي يسجد له الأنبياء الأمميون كما في سفر الملوك الأول: (وفيما كان عوبديا في الطريق، إذا إيليا قد لقيه فعرفهُ، وخر على وجهه وقال: أأنت هو سيدي إيليا). (سفر الملوك الأول: 7/ 18)

ومن هو إيليا الذي يطلب من الرب أن يُنزل نارا لتأكل أعداءه فيسمع الرب له ويُنزل النار ثلاث مرات كما في سفر الملوك الثاني: (فَأَجَابَ إِيلِيَّا وَقَالَ: إِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اللهِ، فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَكَ. فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُ هُوَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَهُ). (سفر الملوك الثاني: 12/ 1)

ومن هو إيليا الذي عندما تنتهي مهمته يصعد إلى السماء كما في سفر الملوك الثاني: (وكان عند إصعاد الرب إيليا في العاصفة إلى السماء). (سفر الملوك الثاني: 2/ 1)

ومن هو إيليا الذي يضرب الماء بردائه فينشق وتظهر الأرض اليابسة فيعبر كما في سفر الملوك الثاني: (وأخذ إيليا رداءه ولفه وضرب الماء، فانفلق إلى هُنا وهُناك، فعبر كلاهما في اليبس). (سفر الملوك الثاني: 2/ 8)

ومن هو إيليا الذي تأتي مركبة من السماء فتأخذه سفر الملوك الثاني: (وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار فصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء). (سفر الملوك الثاني: 3/ 11)

ومن هو إيليا الذي تغسل الأنبياء يديه كما في سفر الملوك الثاني: (فقال يهوشافاط: أليس هنا نبي للرب فنسأل الرب به؟ فأجاب واحد من عبيد ملك إسرائيل وقال: هنا اليشع بن شافاط الذي كان يصُب ماء على يدي إيليا). (سفر الملوك الثاني: 11/ 3)

ومن هو إيليا الشجاع الذي يغار على ربه فتحمله مركبة ثم ينزل وينصر أحد الأنبياء فيقتل كفار مدينة كاملة بسيفه كما في سفر الملوك الثاني: (هلم معي وانظر: غيرتي للرب. وأركبه معهُ في مركبته، وجاء إلى السامرة وقتل جميع الذي بقوا لأخاب حتى أفناه حسب كلام الرب الذي كلم به إيليا). (سفر الملوك الثاني 11/ 17)

مجلة الوارث 76
من وهو إيليا؟

ومن هو إيليا الذي حضر مع موسى الذي توفى منذ آلاف السنين لنصرة يسوع المسيح كما في إنجيل متى: (أخذ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ: إلى جَبَل عَال منْفَرِدِينَ.. وَإذا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ). (إنجيل متى: 17/ 3)

فموسى لا يستطيع الحضور إلى العالم مرة ثانية إلا مع إيليا الذي ملك مفاتيح بوابة الآخرة.

ومن هو إيليا الذي استنجد به يسوع المسيح عندما وقع في الأخطار كما في إنجيل متى: (صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: إيليا إيليا فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا: سَمِعُوا قَالُوا: إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ). (إنجيل متى: 27/ 47)

ومن هو إيليا صديق الأرامل والأيتام الذي قال عنه يسوع المسيح كما في إنجيل لوقا: 4/ 25 (وَبِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرَامِلَ كَثِيرَةً كُنَّ فِي إِسْرَائِيلَ فِي أَيَّامِ إِيلِيَّا حِينَ أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ مُدَّةَ ثَلاَث سِنِينَ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمَّا كَانَ جُوعٌ عَظِيمٌ فِي الأرض كُلِّهَا، وَلَمْ يُرْسَلْ إِيلِيَّا إلى وَاحِدَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ إلى امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ). (إنجيل لوقا: 4/ 25)

نعم فقد كان نصيرا للأرامل والأيتام أيام محنتهن.

وأخيرا علينا أن نعرف أن إيليا هذا ليس نبيا إنه أكبر من مقام نبي لأن يسوع المسيح رفض أن يقيس نفسه بإيليا ولا بالنبي الذي سوف يأتي معه كما في إنجيل يوحنا: (فَسَأَلُوهُ: إذاً من أنت؟ إِيلِيَّا أَنْتَ فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا. فسألوه:ألنَّبِيُّ أَنْتَ؟ فَأَجَابَ: لاَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ). (إنجيل يوحنا: 1/ 21)

هذه هي عظمة إيليا، أن يتمنى نبي أن يحل سيور حذائه.

عندنا نحن من نؤمن بالكتاب المقدس أن إيليا هذا شخص عظيم مقدس جدا يحل كل معضلات ومشاكل الناس وهو يسير مع الزمن ليس له وقت معين، ومنتهاه سيكون بعد بعثة نبي حيث سيكون معه، ثم ينتقل إلى عالم آخر ليُمارس دوره بعد أن يُرسي دعائم الدين الجديد ويكون حارسا عليه. فماذا تقول مصادر المسلمين عن إيليا ومن هو؟ بحثت كثيرا فوجدت أن هناك شريحة جدا كبيرة من المسلمين قد ابعدوا إيليا. وشطبوا كل مآثره وأعماله ولكني وجدت ما يلي:

في كتاب الاحتجاج للطبرسي: (روي انه وفد وفدٌ من بلاد الروم إلى المدينة على عهد أبي بكر وفيهم راهب من رهبان النصارى فأتى مسجد النبي فسأل أسئلة لم يُجبه احد عليها، فأرسلوا إلى علي فقام علي وخرج ومعه الحسن والحسين حتى أتى المسجد، فلما رأى القوم عليا كبروا الله، وحمدوا الله، وقاموا إليه أجمعهم، فدخل علي وجلس فقال أبو بكر: أيها الراهب سله فإنه صاحبك وبغيتك، فأقبل الراهب بوجهه إلى علي ثم قال: يا فتى ما اسمك؟ قال: «اسمي عند اليهود (إليا) وعند النصارى (إيليا) وعند والدي (علي) وعند أمي (حيدرة)»). (الاحتجاج للطبرسي: 1/ 318)

وفي حديث آخر كما في بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج 29، 244 (عن الأصبغ بن نباتة قال: قال لي معاوية: يا معشر الشيعة تزعمون أن علياً دابة الأرض؟ يعني الذي يمشي على الأرض يدب منذ خلقها قلتُ: نحن نقول واليهود يقولون.

قال: فأرسل إلى رأس الجالوت فقال: ويحك تجدون دابة الأرض عندكم مكتوبة؟

فقال: نعم، فقال: وما هي أتدري ما اسمها؟ قال: نعم، اسمها: إيليا.

قال (الأصبغ) فالتفت إليّ (معاوية) فقال: ويحك يا أصبغ ما أقرب إيليا من علياً…). (بحار الأنوار للمجلسي: 29/ 244)

قال تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الزخرف/4) نعم إنه علي حكيم.

شاهد أيضاً

لقد زرت مثوى الطهر

*أبي طالب الجعفري لقدْ زرتُ مثوى الطٌّهرِ في أرضِ كربلا—فدتْ نفسي المقتولَ عطشانَ صاديا ففي …

4 تعليقات

  1. ابو احمد

    علي صناعة يهوديه شيعيه مايقدر يدافع عن زوجته ولاعن خلافته المزعومه ،

    علي الخرافه الشيعيه.

    النبي خيرا لكم ان كنتم مؤمنين صل الله عليه وسلم .

    لتتبعن سنن من كان قبلكم اتركوا الخرافات والغلو لاتتشبهوا بالمشركين الكفار

    هل عندك دليل ان علي رضي ا لله عنه امام ؟

    • بالنسبة الى اشكالك حول عدم دفاع الامام علي صلوات الله عليه عن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام حينما هجم المرتدين بقيادة راس الكفر والنفاق لعنه الله سأنقل لك الجواب التالي من أحد أعلامنا:
      السؤال : لمإذا لم يدافع الإمام علي (عليه السّلام) عن زوجته الصديقة (عليها السّلام)؟

      الجواب : من سماحة السيد علي الميلاني
      مجمل القضيّة هو : إنّه قد كان الواجب على الناس الوفاء بما عاهدوا عليه الله ورسوله وبايعوا عليه أمير المؤمنين (عليه السّلام) في يوم الغدير وغيره ، فلمّا خالفوا جلس علي (عليه السّلام) وأهله وأصحابه في البيت ، فرأى القوم أنّ الأمر لأبي بكر لا يتمّ إلاّ بحمله على البيعة ، فطلبوه مراراً فأبى أن يخرج ويبايع ، حتّى أمر أبو بكر عمر بن الخطاب ومن معه بأن يأتوا به جبراً وقسراً ، فجاؤوا إلى بابه ، فمنعتهم الصديقة الطّاهرة من الدخول ، ولم تكن تظنّ ـ ولا أحد يظنّ ـ أن يبلغ بهم التجاسر والجرأة ؛ لأن يدخلوا بيتها بضربها وضغطها بين الباب والجدار ، حتى دخلوا وأخرجوا الإمام للبيعة ، ولو أنّ عليّاً (عليه السّلام) خرج إليهم في تلك الحالة لقتلوه ، وذلك لم يكن الاّ في صالحهم ، إذ كانوا يقولون ـ وتسير الأخبار إلى سائر الأقطار ـ بأنّ عليّاً خالف الاُمّة وخرج على الخليفة فقتله الناس ، كما قال بعضهم ذلك بالنسبة إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) ـ مع وضوح الفرق الكبير عندهم بين أبي بكر ويزيد وحكومتيهما ـ فلا الإمام علي (عليه السّلام) سكت حتى يقال وافق ، ولا قام بالسّيف وحارب حتّى يقال : حارب على الحكم والرئاسة.
      ويبقى أمران :
      أحدهما : إنّ الناس كانوا ينتهزون الفرصة للانتقام من علي (عليه السّلام) لقتله أشياخهم في الحروب والغزوات .
      والثاني : إنّ الإمام كان مأموراً بالصبر وهم كانوا عالمين بذلك … وقد نصّ رسول الله على أنّ في قلوب الناس ضغائن يبدونها بعد وفاته ، ونصّ أمير المؤمنين على كونه مأموراً بالصبر في غير موضع من خطبه وكلماته .

      نذكر لك هذه الحقائق المنتقاة من مصادر أهل السنة :
      1ـ عن علي (عليه السلام) : (إنه مما عهد إليّ النبي : أن الأمة ستغدر بي بعده) (المستدرك على الصحيحين 3 / 140 و 142 ، قال الحاكم : صحيح الإسناد ، وقال الذهبي في تلخيصه : صحيح . و من رواة هذا الحديث أيضاً : ابن أبي شيبه والبزار والدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم) .
      2ـ عن علي (عليه السلام) : (بينا رسول الله آخذ بيدي و نحن نمشي في بعض سكك المدينة … فلمّا خلا لي الطريق اعتنقني ثم أجهش باكياً ، قلت : يا رسول الله ما يبكيك؟ قال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك الا من بعدي ، قال : قلت : يا رسول الله في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك) (مجمع الزوائد 9/ 118 عن أبي يعلى والبزار بسند صححه الحاكم والذهبي وابن حبان ، وراجع نفس السند في المستدرك 3 / 13).
      3ـ عن الطبري بسنده : ((أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين ، فقال : والله لأحرّقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة … ))(تاريخ الطبري 3/202 ، وقريب منه ابن أبي شيبه من مشايخ البخاري في المصنف 7/432) .
      4ـ عن البلاذري بسنده : (( إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة ، فلم يبايع ، فجاء عمر ومعه فتيلة ، فتلقته فاطمة على الباب ، فقالت فاطمة : يا بن الخطاب أتراك محرّقاً عليّ بابي ؟! قال : نعم … ))(أنساب الأشراف 1/ 586 ، وقريب منه ابن عبد ربه في العقد الفريد 5/13 وأبو الفداء في المختصر في أخبار البشر 1/156) .
      5ـ عن عروة بن الزبير : (( أنه كان يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم ، قال عروة في مقام العذر والاعتذار لأخيه عبد الله بن الزبير : بأن عمر أحضر الحطب ليحرق الدار على من تخلّف عن البيعة لأبي بكر )) (مروج الذهب 3/86 ، شرح ابن أبي الحديد 20/147) .
      6ـ عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) : (والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته) (رواه إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب أخبار السقيفة ، وعنه في الشافي في الإمامة) .
      ومما يدل على صحة روايات الثقفي هذا ما قاله ابن حجر في (لسان الميزان 1/102) : أنه لما صنف كتاب المناقب والمثالب أشار عليه أهل الكوفة أن يخفيه ولا يظهره ، فقال : أي البلاد أبعد عن التشيع ؟ فقالوا له : إصفهان ، فحلف أن يخفيه ولا يحدث به إلا في إصفهان ، ثقة منه بصحة ما أخرجه فيه ، فتحول إلى إصفهان وحدث فيها .
      7ـ قال ابن أبي دارم المتوفى سنة 352هـ : (( إن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن )) (ميزان الاعتدال 1/139) .
      8 ـ قال إبراهيم ابن سيار النظام المتوفى سنة 231هـ : (( إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها ، وكان يصيح عمر : أحرقوا دارها بمن فيها ، وما كان بالدار غير علي و فاطمة والحسن والحسين )) (الملل والنحل 1/59 ، الوافي بالوفيات 6/17) .
      9ـ عن ابن قتيبة : (( إن محسناً فسد من زخم قنفذ العدوي )) (المعارف لابن قتيبه كما عنه ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب 3/358 . علماً بان المعارف المطبوع قد حذف منه هذا المطلب) .
      10ـ عن شيخ ابن أبي الحديد : (( لما ألقت زينب ما في بطنها أهدر رسول الله دم هبار ، لأنه روّع زينب فألقت ما في بطنها ، فكان لابد أنه لو حضر ترويع القوم فاطمة الزهراء وإسقاط ما في بطنها لحكم باهدار دم من فعل ذلك … فقال له ابن أبي الحديد : أروي عنك ما يرويه بعض الناس من أن فاطمة روعت فألقت محسناً ؟
      فقال : لا تروه عني ولا ترو عني بطلانه )) (شرح ابن أبي الحديد 14/192) .
      11ـ عن أبي بكر : (( أنه قال قبيل وفاته : إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن ووددت أني تركتهن … وددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب …))(تاريخ الطبري 3/430 ، العقد الفريد 2/254 ، كتاب الأموال لابن سلام ، مروج الذهب ، الإمامة والسياسة) .
      12ـ أخرج البخاري ومسلم عن عائشة : (( إن فاطمة بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر … فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته ، فلم تكلّمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر … ))(صحيح البخاري : باب غزوة خيبر ، صحيح مسلم : كتاب الجهاد والسير) .
      13ـ أخرج البخاري عن النبي أنه قال : (( فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني )) (صحيح البخاري : كتاب بدء الخلق) .
      14ـ عن النبي أنه قال : (( فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها و يؤذيني ما آذاها )) (البخاري وأحمد و أبو داود ومسلم).
      15ـ قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):(إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها)
      (إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما انصبها)
      (فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها)
      (صحيح مسلم : باب مناقب فاطمة ، مسند أحمد 4/5 ، المستدرك 3/323 وقال : صحيح على شرط الشيخين) .
      16ـ عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) : ( إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ) (المستدرك ، الإصابة ، كنز العمال عن أبي يعلى والطبراني و أبي نعيم) .
      17ـ قال الله تبارك و تعالى: (( إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهينا )) (سورة الأحزاب : 57) .

      وبالنسبة الى سؤالك حول اثبات الامامة فإليك الآتي:
      لقد وردت الإمامة في القرآن الكريم بشكل واضح وصريح, ولكن محنة التأويل والمعاندة ولَيّ النصوص إلى غير وجهتها التي قادها المناوئون لهذا الخط – أي: خط الإمامة – هو الذي أوقع البعض في هذه الضبابية في فهم النصوص القرآنية الواردة بهذا الشأن..
      وإلاّ فالعربي السليم الذهن، الخالي من الشبهات والموروث القبلي والاجتماعي تجاه هذه المسألة، لو قرأ آية الولاية، وهي: قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55), لفهم منها على الفور معنى القيادة والإمرة وإدارة شؤون الأُمّة؛ إذ لا يمكن أن يتصوّر من معاني الولاية هنا سوى معنى: ولاية الأمر, ولا يمكن أن نتصوّر فيها معنى المحبّة أو النصرة؛ لعدم انحصار هذين المعنيين بالمذكورين في هذه الآية فقط, أي: الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام), بل آية الولاية التي يراد بها المحبّة والنصرة هي: قوله تعالى: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ )) (التوبة:71), وإنّما الآية (55) من سورة المائدة فهي تفسّر – لمحلّ (( إِنَّمَا )) – بـ(ولاية الأمر).. وقد أجمع المفسّرون على نزول هذه الآية بحقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) عند تصدّقه بالخاتم أثناء الركوع.

      وأيضاً يكفيك أن تراجع قوله تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59), وما ذكره الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة, وأنّ المراد منها: المعصومون(1).
      فإذا قلنا بوجود المعصومين في الأُمّة، وهم: الأئمّة الطاهرون(عليهم السلام), إذ لم يدّعِ أحد غيرهم العصمة بالإجماع, ثبت المطلوب, وإن قلنا بعدم وجود المعصوم، فهذا يعني التكليف بالمحال، والتكليف بالمحال باطل..
      وهذا شيء يسير ممّا جاء في القرآن الكريم في شأن الإمامة وهناك المزيد.

      سألت عن أمر هو بالحقيقة نقطة الافتراق الرئيسية بين الشيعة وأهل السُنّة والجماعة، وإن كان هذا لا يعني النزاع والتشرّذم، فكما يقال: ((اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية)).
      فأهل السُنّة والجماعة ذهبوا إلى: أنّ الخلفاء بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أربعة، أوّلهم: أبو بكر، وآخرهم: عليّ(عليه السلام).

      أمّا أتباع أهل البيت(عليهم السلام) فذهبوا إلى: أنّ الخلافة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بلا فصل، ومن بعده: أبناؤه الأحد عشر(عليهم السلام)، آخرهم: المهدي المنتظر(عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
      واستدلّوا في اختصاص عليّ(عليه السلام) بالخلافة دون سواه بأدلّة كثيرة، نقتصر على بعضها:

      فمن القرآن الكريم:
      قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55)؛ فقد ذهب المفسّرون والعلماء من الفريقين إلى: أنّها نزلت في حقّ عليّ(عليه السلام) حينما تصدّق بخاتمه في أثناء الصلاة.
      وإليك بعض مصادرها عند الفريقين:

      عند الشيعة:
      1- الكافي، للكليني ج1 كتاب الحجّة ص187، 189، 288، 289، 427.
      2- الأمالي، للصدوق ص186 المجلس (26) حديث (193).
      3- الخصال، للصدوق ص572 أبواب السبعين وما فوقه حديث (1).
      4- إكمال الدين، للصدوق ص274 الباب (24) حديث (25).
      5- مناقب أمير المؤمنين، لابن سليمان الكوفي ج1 ص150 حديث (15)، و ص169 حديث (100)، و ص189 حديث (110).
      6- الأمالي، للطوسي ص59 المجلس (2) حديث (55).
      7- وانظر: بحار الأنوار ج35 باب (4) من ص183 وما بعدها.
      8- وانظر: إثبات الهداة ج2 باب (10) ص3.

      وعند أهل السُنّة والجماعة:
      1- أنساب الأشراف، للبلاذري ج2 ص150 حديث (151).
      2- تفسير الطبري ج6 ص389 تفسير قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ… )) الآية.
      3- أحكام القرآن، للجصّاص ج2 ص557 تفسير الآية.
      4- شواهد التنزيل، للحسكاني الحنفي ج1 ص209، حديث (216).
      5- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر الشافعي ج42 ص356 رقم (4933) ترجمة عليّ بن أبي طالب، ج45 ص303 رقم (5254) عمر بن عليّ بن أبي طالب.
      6- البداية والنهاية، لابن كثير ج7 ص394.
      7- الصواعق المحرقة، لابن حجر ص41 الباب (1) الفصل (5) الشبهة (10).
      ودلالة الآية الكريمة على ولاية عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) واضحة بعد أن قرنها الله تعالى بولايته وولاية الرسول، ومعلوم أنّ ولايتهما عامّة، فالرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكذلك ولاية عليّ بحكم المقارنة.
      وقد فصّلنا الكلام في سند أحاديث نزول الآية في عليّ(عليه السلام) وفي دلالتها، ضمن عنوان: (آية الولاية)؛ فليراجع!

      ومن السُنّة الشريفة:
      ألف – حديث المنزلة، وهو: قول الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام): (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي). وهو من الأحاديث المتواترة؛ فقد رواه جمهرة كبيرة من الصحابة.
      ومصادر تخريجه كثيرة، أيضاً نذكر منها:
      1- مسند أحمد بن حنبل ج1 ص170 – 185 مسند أبي إسحاق سعد بن وقّاص، و1 ص331 مسند عبد الله بن العبّاس، و3 ص32 مسند أبي سعيد الخدري، و3 ص338 مسند جابر بن عبد الله، و6 ص369 حديث فاطمة عمّة أبي عبيدة.
      2- صحيح البخاري ج4 ص208، كتاب بدء الخلق، مناقب المهاجرين وفضلهم، و5 ص129 كتاب المغازي، باب غزوة تبوك.
      3- صحيح مسلم ج7 ص20 – 121 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ بن أبي طالب.
      4- سنن ابن ماجة ج1 ص42، 45 حديث (115، 121).
      5- سنن الترمذي ج5 ص302 – 304 حديث (3808، 3813، 3814)، باب (87)(91).
      6- فضائل الصحابة، للنسائي ص13 – 14.
      7- تاريخ الطبري ج2 ص368 أحداث سنة 9هـ.
      وتركنا الكثير للاختصار.
      ودلالته على ولاية عليّ(عليه السلام) وإمامته بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) واضحة؛ إذ أنّ هارون كان خليفة لموسى(عليهما السلام) ونبيّاً، وقد أثبت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفس المنزلة لعليّ(عليه السلام) باستثناء النبوّة، فدلّ ذلك على ثبوت الخلافة له(عليه السلام). وقد فصّلنا الكلام في السند والدلالة ضمن عنوان: (حديث المنزلة)؛ فليراجع!

      ب – حديث الغدير، وهو: قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حجّة الوداع، حينما قام في الناس خطيباً في غدير خمّ – من خطبة طويلة – ثمّ قال: (يا أيّها الناس! إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمَن كنت مولاه، فهذا مولاه – يعني عليّاً – اللّهمّ وال مَن والاه وعاد مَن عاداه…).
      وقد روى هذا الحديث جمهرة كبيرة من الصحابة، وأورده جمع كبير من الحفّاظ في كتبهم، وأرسلوه إرسال المسلّمات، وإليك بعض المصادر:
      1- مسند أحمد بن حنبل ج1 ص84 – 152 مسند عليّ بن أبي طالب، و1 ص331 مسند عبد الله بن العبّاس، وغيرها.
      2- سنن ابن ماجة ج1 ص45 حديث (121).
      3- سنن الترمذي ج ص297 حديث (3797).
      4- فضائل الصحابة، للنسائي ص14، 15.
      5- المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري ج3 ص109، 110.
      6- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر الشافعي ج18 ص138 ترجمة رزيق، و25 ص108 ترجمة طلحة، و42 ص100 ترجمة الإمام عليّ(عليه السلام).
      7- الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي المكّي الشافعي ص42 الباب (1) الفصل (5) الشبهة (11).
      ودلالة الحديث على خلافة وولاية عليّ(عليه السلام) واضحة، فلا يمكن حمل الولاية على معنى المحبّ والصديق وغيرهما، لمنافاته للمطلوب بالقرائن الحالية والمقالية.

      أمّا المقالية: فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكر ولاية عليّ(عليه السلام) بعد ولاية الله وولايته، ثمّ جاء بقرينة واضحة على أنّ مراده من الولاية ليس هو الصديق والمحبّ وما شاكل، وذلك بقوله: (وأنا أولى بهم من أنّفسهم)، فهي قرينة تفيد أنّ معنى ولاية الرسول وولاية الله تعالى هو: الولاية على النفس؛ فما ثبت للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يثبت لعليّ(عليه السلام)، وذلك لقوله: (مَن كنت مولاه فهذا مولاه).

      وأمّا الحالية: فإنّ أيّ إنسان عاقل إذا نعيت إليه نفسه وقرب أجله تراه يوصي بأهمّ الأُمور عنده وأعزّها عليه، وهذا ما صنعه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما حجّ حجّة الوداع؛ فقد جمع المسلمين، وكانوا أكثر من مائة ألف في ظهيرة يوم غدير خمّ، ويخطبهم تلك الخطبة الطويلة، بعد أن أمر بإرجاع من سبق وانتظار من تأخّر عن العير، وبعد أمره بتبليغ الشاهد الغائب. كلّ هذا فعله الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليقول للناس: إنّ عليّاً محبّ لكم، صديق لكم؟! فهل يليق بحكيم ذلك؟!
      وهل كان خافياً على أحد من المسلمين حبّ عليّ للإسلام والمسلمين؟! وهو الذي عرفه الإسلام بإخلاصه وشجاعته وعلمه وإيمانه.
      أم أنّ ذلك يشكّل قرينة قطعية على أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمعهم لينصّب بعده خليفة بأمر الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ )) (المائدة:67). وقد فصّلنا القول في واقعة الغدير ضمن عنوان: (الغدير)؛ فليراجع!
      وهنالك أدلّة كثيرة أعرضنا عنها بغية الاختصار.

      من أدلّة السُنّة النبوية الشريفة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام):

      أ – حديث الغدير: وهو قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ وال من والاه وعادِ من عاداه)، بعد أن بدأ كلامه الشريف بقوله: (إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسولُ ربّي فأُجيب)؛ ثمّ قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً: (ألست أولى بكم من أنفسكم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: (فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).
      فأنت تلاحظ أيّها الأخ العزيز كيف يتكلّم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن قرب موته وولايته عليهم, وأنّه أولى بالتصرّف بهم من أنفسهم، ومن ثمّ يقرّر ويثبت لعليّ(عليه السلام) ما كان له بقوله: (فمن كنت مولاه فعليّ مولاه).

      وكما تلاحظ أيّها الأخ عدم وجود علاقة أو مناسبة هنا بين المحبّة والتولّي العادي بين المؤمنين, وبين الولاية التي يتكلّم عنها(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويذكرها هنا، وخصوصاً مع قرينة:
      1- بداية كلامه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن قرب أجله ومغادرته إلى الله عزّ وجلّ.
      2- إيضاحه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولايته على الناس، وعلى المؤمنين خاصّة، وبيانه أنّه أولى بهم في كلّ شيء من أنفسهم، وهذه الولاية أعظم وأشدّ من مجرّد المحبّة, ثمّ إقرار الصحابة بذلك، بعد أن طرح رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك الأمر المهم باستفهام وسؤال، إشارة إلى حاجة ما سيثبته لعليّ(عليه السلام) لذلك الفهم منهم، والإقرار الواضح بتلك الأولوية للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيهم من أنفسهم بأنفسهم.
      3- وتوجد قرينة أُخرى في غدير خمّ أيضاً، وهي: إيقاف القافلة في تلك الظهيرة وتنظيف مكان تحت شجرات، وتهيئة الجوّ المناسب للبيعة على هذه الولاية، وهذه المنزلة العظيمة.
      4- وهناك قرينة أُخرى مهمّة جدّاً ودالّة على ما قلناه آنفاً حصلت في غدير خمّ أيضاً، كما يروي ذلك مسلم في صحيحه من قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين، أوّلهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) – فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال ـ: (وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي)(1).
      فالتمسّك بالثقلين بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الواضح أنّه يعني: التمسّك بالقرآن الكريم، وولاية أهل البيت(عليهم السلام)، وخلافتهم لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونيابتهم عنه، وأوّلهم: عليّ(عليه السلام) دون منازع، وليس محبّة أهل البيت(عليهم السلام) فقط!!

      ب – حديث آخر قوّي جدّاً في الدلالة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)، وخلافته لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من بعده مباشرة، وهو حديث صحيح، صريح، اضطرب أهلُ السُنّة في تفسيره وتأويله؛ فكذّبه قوم لقوّة دلالته(2), وضعّفه قوم بدعوى توهّم رواته رغم وثاقتهم, وصحّحه آخرون دون أن ينتبهوا لما يقولون في شرحه وتأويله.
      والحديث هو: قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)؛ فقد رواه أحمد في (مسنده)(3)، والترمذي في (سننه)، وقال: حديث حسن غريب(4)، والنسائي في (فضائل الصحابة)(5)، و(السنن)(6)، و(خصائصه)(7)، والطيالسي في (مسنده)(8)، وابن أبي شيبة في (مصنّفه)(9)، وابن أبي يعلى في (مسنده)(10)، وابن حبّان في (صحيحه)(11)، وغيرهم.
      وصححّه الألباني محدّث السلفية في (سلسلته الصحيحة)؛ قال: ((وقال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث جعفر بن سليمان. قلت: وهو ثقة من رجال مسلم، وكذلك سائر رجاله، ولذلك قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقرّه الذهبي، وللحديث شاهد يرويه أجلح الكندي – ثمّ ذكر الشاهد وحسّنه ــ.
      ثمّ قال: على أنّ الحديث قد جاء مغرقاً من طرقاً أُخرى ليس فيها شيعيّ..
      – إلى أن قال: وأمّا قوله: (وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)، فقد جاء من حديث ابن عبّاس، فقال الطيالسي (2752): حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عنه: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعليّ: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي). وأخرجه أحمد (1/330 – 331)، ومن طريقه الحاكم (3/132 – 133)، وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا))(12).

      ونقول: وروي هذا الحديث بلفظ آخر، وواقعة أُخرى، منها: ما روي عن وهب بن حمزة؛ قال: ((صحبت عليّاً إلى مكّة فرأيت منه بعض ما أكره، فقلتُ: لئن رجعت لأشكونّك إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلمّا قدمتُ لقيتُ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقلت: رأيت من عليّ كذا وكذا. فقال: (لا تقل هذا، فهو أولى الناس بكم بعدي)، وقال فيه الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه دكين، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله وثّقوا))(13).

      ج – حديث: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها)(14), أيضاً فيه دلالة واضحة على انحصار أخذ الدين من عليّ(عليه السلام)، وخلافته(عليه السلام) لخاتم النبيّين.
      وقد فصّلنا الكلام في هذا الحديث سنداً ودلالة ضمن عنوان: (حديث مدينة العلم)؛ فليراجع!
      وغير هذه الأحاديث كثيرة، ذكرناها مفرّقة ضمن عناوين مختلفة.
      وإذا كان عندك سؤال واستفسار فأرسل به إلينا، لعلّنا نوفّق جميعاً للهداية والخير.
      ودمتم في رعاية الله

      (1) صحيح مسلم 7: 122 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ.
      (2) انظر: منهاج السُنّة لابن تيمية 4: 102 المنهج الثالث في الأدلّة من السُنّة على الإمامة، التاسع.
      (3) مسند أحمد بن حنبل 4: 437 حديث عمران بن حصين.
      (4) سنن الترمذي 5: 296 الحديث (3796) مناقب علي بن أبي طالب.
      (5) فضائل الصحابة: 15 فضائل عليّ.
      (6) السنن الكبرى 5: 45 الحديث (8146) فضائل عليّ.
      (7) خصائص أمير المؤمنين: 87 ذكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): عليّ منّي…، و98 حديث: عليّ وليّ كلّ مؤمن.
      (8) مسند أبي داود الطيالسي: 111 عمران بن حصين.
      (9) المصنّف لابن أبي شيبة 7: 504 الحديث (58) فضائل عليّ بن أبي طالب.
      (10) مسند أبي يعلى 1: 293 الحديث (355) مسند عليّ بن أبي طالب.
      (11) صحيح ابن حبّان 15: 374 مناقب عليّ بن أبي طالب.
      (12) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 261 رقم الحديث (2223) من فضائل عليّ، ومعنى الموالاة.
      (13) مجمع الزوائد للهيثمي 9: 109 كتاب المناقب، باب مناقب عليّ.
      (14) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 3: 126 فضائل عليّ بن أبي طالب، مجمع الزوائد للهيثمي 9: 114 كتاب المناقب، باب مناقب عليّ، المعجم الكبير للطبراني 11: 55 مجاهد عن ابن عباس، الاستيعاب لابن عبد البرّ 3: 1102(1855) عليّ بن أبي طالب.

      -؛ ملاحظة: نتمنى منك التحلي ببعض الأدب والأخلاق في طرح الاسئلة، وان تكون الاسئلة مؤدبة وموضوعية إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فإن الفضاضة والاسلوب الهجومي الاستفزازي ليس من آداب المتكلم العاقل والذي يفهم ما يسأل عنه. قال تعالى: (ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).

  2. إنه امير المؤمنين صاحب الكرات الذي بعث مع كل نبي سرا و بعث مع المصطفى جهرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *