البحث في فهارس مكتبة العتبة الحسينية المقدسة من الكتب والمجلات والرسائل الجامعية:

الذين هدموا قبور أهل البيت عليهم السلام

مجلة الوارث 87
الذين هدموا قبور أهل البيت عليهم السلام

*كاظم حسن الفتلاوي

الحقيقة أنّ تاريخ المسلمين ليس مدنساً في وقائع بعينها، قدرَ ما هو مدنسٌ في وقائع نبش القبور نكاية بأصحابها.

ذلك تاريخ أقل ما يقال فيه اليوم إنه ملطخ بالعار.

وإنّ مسألة نبش القبور وهتك حرماتها والعبث بجثث الموتى كيداً ولؤماً وحقداً، قضيةٌ ليست جديدة في تراث المسلمين، ولا هي طارئة على سِيَرهم.

فمنذ فجر الإسلام، كان بعض كبار الصحابة يوصون بأن يُدفنوا ليلاً، أو سراً، أو في قبور مموّهة، مخافة أن يتعرض جثمان أحدهم للنبش! ولقد تكررت مثل هذه الوصايا مع علي بن أبي طالب، وقبله مع فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نفسها.

ثمّ إنّ الأمويين قاموا بنبش قبر زيد بن علي وأوعزوا بأن يُصلبَ وهو بعدُ جثة! ثمّ إنهم لم ينتهوا حتى أحرقوا جثته، وقد نثر ما تبقى من عظامهِ في الفلاة!

ومن عجيب التصاريف أن معاوية بن أبي سفيان الذي بدأ العباسيون بنبش قبره، كان هو نفسُه أول من أمر بنبش قبور الصحابة، حينما عهد إلى واليه في المدينة أن ينبش قبور شهداء معركة أحد، وأن يخرجهم من مثواهم، بتعلة أنه يريد إجراء عين ماء في ذلك المكان الذي دفنهم النبي فيه، قبل قرابة خمسين عاماً!(كتاب الجهاد لابن المبارك:1/84)

وفي زمن العباسيين عام 236 هجري، بعث الخليفة المتوكل بجنوده إلى قبر الإمام الحسين بن علي في كربلاء، ليهدموه وينبشوه. وأمرهم أن يحرثوا بالبقر موضعَ القبر، وأن يبذروه ويسقوه، وأن يُجرَى عليه الماءُ حتى يُطمَسَ كل أثر له، فيمتنع الناس عن إتيانه!(تاريخ الأمم الملوك للطبري:9/185)

وفي سنة 443 هـ، نبش الحنابلة قبر الإمام موسى بن جعفر الكاظم في باب التبن (الكاظمية اليوم)، ونهبوا مقامه، ثمّ أحرقوا المقام.

ويذكر ابن الأثير في كتابه الكامل أنّ السُنِيَّة الحنابلة (قصدوا مشهد باب التبن فنقبوا في سوره فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضّة وسُتور وغير ذلك. فلمّا كان الغد، كثر جمعهم فقصدوا المشهد، وأحرقوا جميع الترب والآراج، واحترق ضريح موسى، وضريح ابن ابنه محمّد بن عليّ الجواد، والقُبّتان الساج اللتان عليهما… وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجرِ في الدنيا مثله! فلمّا كان الغد خامس الشهر من ربيع الأول (443 هـ) عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمّد بن عليّ لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر، فجاء الحفرُ إلى جانبه).(الكامل في التاريخ لابن الأثير:8/59)

    نهب حجرة النبي

لم يكن انتهاك ضريح الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء المقدسة، خاتمة المطاف عند الوهابيين.

فبعد قرابة عامين من مأساة الروضة الحسينية، تلقت الروضة النبوية، في المدينة المنورة، ضرباً مشابهاً من النهب والسلب والانتهاك، على يد (إمام المسلمين) سعود الكبير آل سعود!

ولقد سار سعود بجيشه الوهابي إلى المدينة المنورة، بعد أن فعل الأفاعيل في أهالي مدينة الطائف، في شهر آذار 1803 (ذو القعدة 1217هـ).

ويصف المؤرخ السيد أحمد دحلان ما قام به الوهابيون من مجازر في الطائف فيقول: (ولمّا دخلوا الطائف قتلوا الناس قتلاً عاماً، واستوعبوا الكبير والصغير، والمأمور والأمير، والشريف والوضيع، وصاروا يذبحون على صدر الأم الطفل الرضيع، وصاروا يصعدون البيوت يُخرجون من توارى فيها، فيقتلونهم.

فوجدوا جماعة يتدارسون القرآن فقتلوهم عن آخرهم حتى أبادوا من في البيوت جميعاً، ثم خرجوا إلى الحوانيت والمساجد وقتلوا من فيها… يقتلون الرجل في المسجد وهو راكع أو ساجد، حتى أفنوا هؤلاء المخلوقات).(خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام:297)

ومن بعد أن نشر ابن سعود الرعب في بلاد الحرمين، عبر هذه المذبحة، تمكن من أن يُحكِم سيطرته على مكة التي سلّمها له أهلها من دون قتال، في 7 محرم 1218هـ (أيار 1803).

ويصف دحلان ما أقدم عليه الوهابيون في مكة، قائلاً: (بادروا بهدم المساجد ومآثر الصالحين، فهدموا أولاً ما في المعلى من القبب فكانت كثيرة، ثم هدموا قبة مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومولد أبي بكر، ومولد سيدنا علي عليه السلام، وقبة السيدة خديجة عليها السلام، وتتبعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين… وهم عند الهدم يرتجزون ويضربون الطبل ويغنون… وبالغوا في شتم القبور التي هدموها.

حتى قيل إنّ بعضهم بالَ على قبر السيد المحجوب، وبعد ثلاثة أيام من عمليات التدمير المنظّمة، مُحِيت الآثار الإسلامية في مكة المكرمة).(خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام:302)

ومن بعد أن فرغ آل سعود من تدمير آثار مكة، صوّب وجهه نحو مدينة رسول الله، فبعث إلى أهلها طالباً منهم أن يبايعوه، فامتنعوا.

فأقبل إليهم مقتحماً عليهم بلدهم، فقاتلوه فغلبهم، ثم إنه أباح المدينة لجنوده… أما هو فقد توجّه إلى الحجرة النبوية.

يروي حسن الركي مؤلف كتاب (لمع الشهاب)، ما حدث في المسجد النبوي بقوله: (طلب ( آل سعودُ) الخدمَ السودانَ الذين يخدمون الحرم النبوي؛ فقال: أريد منكم الدلالة على خزائن النبي؛ فقالوا بأجمعهم: (نحن لا نوَليك عليها، ولا نسلطك)؛ فأمر بضربهم وحبسهم حتى اضطروا إلى الإجابة، فدلوه على بعض من ذلك، فأخذ كل ما فيها… وكان فيها من النقود ما لا يحصى، وفيها تاج كسرى أنو شروان، الذي حصل عند المسلمين لمّا فتحت المدائن، وفيها سيف هارون العباسي، وعقد كان لزبيدة زوجته، وفيها تحف غريبة من جملة ما أرسله سلاطين الهند لحضرته صلى الله عليه وآله وسلم، تزييناً لقبّته؛ وأخذ قناديل الذهب وجواهر عديدة).(لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب:108)

وبعد أكثر من قرن من ذلك الزمان… أكمل (كبيرهم عبد العزيز آل سعود)، ما بدأه سلفه سعود الكبير.

فهدم مقامات أئمة آل البيت عليهم السلام، في مقبرة البقيع بالمدينة، ونهبها.

ثم مضى في مكة، إلى قبر السيدة خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى قبر أمه السيدة آمنة بنت وهب عليها السلام، فهدمهما ومحا أثرهما من على وجه الأرض… فكان بذلك أشبهَ خلف بالسلف!

شاهد أيضاً

مجلة الوارث

ألا يا أهل العالم إنّ جدي الحسين عليه السلام قتلـــــوه عطشـــاناً

*السيد جعفر مرتضى العاملي إنّ الأئمة عليهم السلام حسب مفهومنا يعلمون الغيب. فعلهم بالغيب بإرادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *