أهلا وسهلا بكم في

سعيد بن جبير شيخ التابعين وإمام القراء

*تأليف: سلام محمد علي البياتي

مقدمة المؤلف:
لو عَرَّجَ الزائر من بغداد إلى محافظة واسط جنوباً إلى مدينة الحي على شط الغرّاف حتى يبلغها، فإن هو أرسل النظر جنوبها فستثيرُ انتباهَهُ قُبَّةٌ سامقة على بُعْدِ ميلٍ واحد من مركزها ولو تحرّى متسائِلاً عنها لَطَرَقَ سَمْعَهُ اسمٌ يُثير دهشته – إنْ كان مِمَّنْألَمُوا ولو بنزرٍ ضئيل أو يسير من تُراث أمّتنا – مرقد التابعي سعيد بن جبير!!!

ويتساءَل المشاهدُ مَبْهُوراً؛ ترى كيف تسنى لقبر سعيد بن جبير أنْ يبقى قرابة 1300 عامٍ يصارع الزمن؟
عندئِذٍ سيجد الجواب في شخص سعيد نفسه؛ فسعيد بن جبير ليس بالنكرة الذي لا يُعني المؤرخين شأنُهُ كشأن من عاشوا وماتوا مغمورين لا هَمَّ لهم إلاّ أنفسهم لم تكن لهم أدوار مشرفة أو حتى متميزة في شكلها أو وجودها أو أثرها؛ فمثل (سعيد بن جبير) لا يُنسى ولا يُهملُ قبره لسبب من الأسباب ليندرس ويتعب المؤرخين تحديد هويّته.
إنَّ سعيدَ بن جبير كان علماً من أعلام الاسلام([11])، أنصفه الله وخلد ذكره فجاوره الطيّبون وحافظ على ذكره المؤرخون، وأنصفوه في كل شيء- إلاّ بعض من عَمَّمَ ولم يخصِّصْ وخلط ولم يُمَحِّصْ حين صَوَّر سعيداً واحداً من الذين (…كانوا يتسببون أحياناً في خلق روح الكراهية والعداء من الأمويّين…)([2]).

وصوّروا مثلاً بقصة سعيد مع الحجاج فصار الحجاجُ محسناً وسعيد خارجاً عليه([3]).

وليس عجباً أن ينفردَ سعيد بن جبير بهذه المنزلة بين أعلام الإسلام، فهو أعلمُ التّابعين على الإطلاق([4])، وخاصّة في علم التفسير([5]). وكان يُسمّى جَهْبَذ العلماء([6])، وكانَ يختم القرآنَ في ليلتين([7])، وكان يؤم الناسَ في شهر رمضان([8]).

وسعيد اتّفق المسلمون على ثقته([9])؛ فهو ثقةٌ ثَبتٌ فقيهٌ، جليل القدر متأكد متمحّص([10])،
حتى لتراه بين التّابعين كأبي ذرّ بين الصحابة في صفاته، فلقد كان مستقيماً غير متزلزل في إيمانه([111])، تلقّى العِلمَ عن الإمام السجاد عليه السلام، وابن عبّاس([12]) وعبد الله بن عمر([13]) وغيرهم حتى وَصَلَ منزلةً جعلتْ ابنَ عباس يجيز له أن يُحَدِّثَ في حضرته، إلاّ أنّ أدبَ سعيد كان يمنعه فيعتذر ويقول: (أحَدِّثُ وأنتَ ها هُنا؟)، فيرد عليه ابن عباس مُشَجِّعاً: إنْ أصَبْتَ فَذاكَ؛ وإنْ أخطأتَ عَلَّمْتُكَ)([14]).
وليس هذا فحسب، بل كان ابن عباس يدفعُ إليه أهل الكوفة إذ يقول لهم: تسألوني وفيكم ابنُ أمّ دهماء([155]) – وهو لقبُ سعيد اشتهر به – بهذه الصفات ارتفعَ إلى إمامةِ المصلّين في الكوفة ثم إلى ولاية القضاء([16])، حتى نَحّاهُ الحجاج لألْسِنَةِ من عادوا إلى ضلالة الجاهلية وَعَنَنِها([17])؛ إذْ عَزّ عليهم أنْ يَرَوْا أسوداً حَبَشياً يرقى إلى هذا المنصب، حتى لو كان ذلك
بفضل الإسلام.

استقضى الحجاجْ مكانه أبا بُردة بن أبي موسى الأشعري على أن يأخذ هذا بِمَشْورةِ سعيد بن جُبير وينتفعَ علمهِ([18]).

كان سعيدُ أحدَ أشهرِ خَمسةٍ عاصروا الإمامَ السّجّاد عليَِّ بْنَ الحسين عليهما السلام، وهم سعيدَ بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومحمد بن جبير بن مطعم، ويحيى بن أم الطويل، وأبو خالد الكابلي([19]).

وكان سعيد بن جبير يأتم بعلي بن الحسين عليه السلام، وكان الإمام يُثني عليه([20]).
ويرى بعض المؤرخين أن الحجّاج قَتَلَهُ لهذا السبب([211]).

(ولمّا ازدادَ جَوْر بني أمية وتجبّروا على العباد واستذلوا المسلمين وأماتوا الصلاة قاتلهم سعيد بن جبير مع ابن الأشعث وكان هذا حافزاً للحجّاج على قتله([22])، وقد تمكن منه بعد فشل ثورة ابن الأشعث بعد سنوات، وذلك حين قبض عليه خالد بن عبد الله القسري – إذْ كان عامل الوليد على مكة – وسلمه إلى الحجاج فقتله([23])، وَدُفِنَ في ظاهر واسط([24]). وذلك في عام (95هـ)([25])، وكان سعيد ابن تسع وأربعين سنة([26]).

ولم يقتل الحجاج بعده أحداً وكان سعيد قد دَعا عليه في حضرته قائلاً قبل أن يقتله؛ (اللهمَّ لا تسلطه على أحدٍ يقتله بعدي)([27]).
(ومات سعيد وأهل الأرض من مشرقها إلى مغربها مُحتاجون إلى علمه)([28]).
وهلك الحجاج بعده بمدّةٍ وجيزة([299]) لم يعرفْ خلالها طَعْماً للنوم وكان كلما نام رأى سعيد بن جبير يأخذ بمجامع ثوبه وهو يقول له: فِيمَ قتلتني يا عدو الله! فيهبّ الحَجّاجُ مذعوراً وهو يَصيح: ما لي ولسعيد بن جبير، ما لي ولسعيد بن جبير، إلى أن أزاحَ الله ظله وظلمه ولم يَبْقَ إلاّ تأريخه الأسود.

أمّا سعيد فقد ظلّ ذكرهُ باقياً، صار مَزاراً للمسلمين يُجَدِّدون عمارته بين حين وآخر حتى هَيَّأ الله له أحد الأتقياء – وهو كنعان أغا- فبنى فوق القبر قُبة فخمة (عام 1053هـ – 1643م)([30]).

وفي عام (1900م) اُرْفِقَ بالقبة مسجد مسقوف بقباب صغيرة معقودة بالآجر شبيهة بالسقوف ذات الريازة العباسية القديمة؛ شيَّدَتْهُ أسرةُ آل شعرباف.

وفي عام (1961م) بدأ أهل مدينة (حي واسط) بتجديد عمارة المرقد؛ وعند عملية الحفر عثروا على بئر قديم مندثرة تقع على بعد أمتار من القبة القديمة فأعيد ترميمها وعادوا لاستعمالها وخاصة صيفاً عند انقطاع الماء في نهر البترة الذي يبعد حوالي 100م جنوب المرقد.
والمرقد الآن تتولى رعايته مديرية الأوقاف العامة ولجلال قدر سعيد بن جبير انتشرت حوله مدافن الموتى ممن يتبرك ذووهم بدفنهم حول ضريح هذا العالم الشهيد.

وبعدُ؛ فقد سعيت جهد الإمكان أنْ ألتَزِمَ الأسلوب العلمي في بحثي عن شخصية سعيد بن جبير.
لقد قسمت بحثي هذا إلى سبعة فصول:
تناولت في الفصل الأول من البحث: اسمه وشهرته ثم نشأته ودراسته، وقابليته العلمية وتبلور شخصيته كعلم من أعلام الإسلام وألحقتُ بالفصل المراجع والمصادر التي اعتمدتها فيه.

وذكرت في الفصل الثاني نتاجه الفكري وأثرَهُ كراويةٍ للتفسير وأسلوبه كمفسّر ومنزلته بين مُفَسِّري عصره،
وناقشت ما ذكِرَ من روايات حول تأليفهِ كِتاباً في التفسير وما قيل عن ضياعه وإمكانية
تحقيقه من بطون التفاسير اعتماداً على من أخذ عنه.

وذكرت في الفصل الثاني أيضاً، أعلميَّتَهُ بأسباب النزول للآيات والسور وما رواهُ في ذلك وأسلوبه في الرّبط بين الخاص والعام من الأغراض التي تسببت في نزول بعض السُّوَر والآيات مع ذكر الشواهد على ذلك.

ثم تطَرّقت في هذا الفصل إلى أثره في علم القراءات وإلى منزلته في هذا الباب ومدى ما بلغه وما انفرد به من قراءات مقارنة بقراءةِ شيخِهِ عبد الله بن عباس وشيخ شيخه علي بن أبي طالب عليه السلام.

ولم أنسَ أن أبدأ هذا الباب المهم بمدخل رأيته مُكَمِّلاً لأركان البحث لتمام الموضوع سَمّيته (إختلاف الآراء في قراءة سعيد وقراءة غيره) وَذيَّلتُهُ ببحث مقارن، ثم ألقحتُ به (دَوْرُ سعيد في نشوء علم القراءات) ثم أنهيت الباب بِنَماذج مقارنة.
كما تَطَرَّقْتُ في هذا الفصل إلى مكانةِ سعيد بَيْن المُحَدِّثين وأثرِهِ في علم
الحديث، ألحَقْتُ به نماذج مختارة من روايته في الحديث وأنهيتُ البابَ بأسماء من رَوَوْا عنه.
وتناولتُ في الباب الأخير من هذا الفصل آراءَ سعيد الفكرية في المجتمع والسلوك الإنساني، ثم تطرقت إلى فُتياهُ، وبعدها تحدثت عن صَلاته ودعائه وكيفية تأديته الفروض العبادية، وختمت الفصل الثاني بهامش للمصادر الخاصة بالفصل.

أمّا في الفصل الثالث: فتناولتُ بالبحث، صلة سعيد بمشاهير عصره وصلته بالحجاج والتي حاولتُ فيها تحديد الجذور التاريخية لها قبل أن يبرز الحجاج على المسرح السياسي والياً للأمويين؛ كما بيّنت نوع هذه الصلة وكيفيّتها وتطورها.
وتحدّثت في نهاية الفصل عن اشتراك سعيد في ثورة ابن الأشعث والأسباب التي دفعت سعيد للمشاركة في الثورة ومركزه الحربي في كتيبة القرّاء، ثم ختمتُ الفصلَ الثالثَ بالكلام عن أسباب فشل الثورة وتفرق رجالها، واختفاء سعيد بن جبير عن عيون الحجاج وجواسيسه.

وفي الفصل الرابع: عالجتُ فترة الاعتزال السياسي والتخفّي التي عاشها سعيد والتي دامت اثني عشر عاماً ظلّ يتنقّل فيها بين الأمصار بحثت فيها نوع نشاطه، ومن ثم اتصاله بالإمام علي بن الحسين عليه السلام وشكل هذه الصّلة وما ترتّب عليها من أمور ودور عمر بن عبد
العزيز في حماية سعيد.

وفي الفصل الخامس تحدّثت عن سعي الحجاج ونشاطه في البحث عن سعيد وتتبع أخباره وبثّ العيون خلفه، ودور خالد بن عبد الله القسري – والي الحجاج للوليد بن عبد الملك – في إلقاء القبض على سعيد وبعض من اشترك معه من الثوّار، وكيف تم ذلك وفي أيّ ظروف ثم إرساله إلى الحجّاج.
وختم الفصل بالبحث في رحلة سعيد إلى الموت وما حدث له في الطريق إلى واسط.

وفي الفصل السادس تحدّثت عن موقف سعيد بين يدي الحجاج وما حدث بينهما من تحاور، وناقشت اختلاف الروايات في تصوير ما حدث له مع الحجّاج قبل أنْ يأمرَ بقتله؛ وقد بحثت هذه المسألة بتفصيل لأبَيِّنَ أسباب الاختلاف بين المؤرخين في ذِكْرِ ما دار بينهما؛ وَخِلْتُ نفسي خلصت إلى الرأي الصائب من تلك الآراء، ثم ختمت الفصل بتبيان ما ترتب بعد ذلك من أمور.

وأما السابع فللمقارنة بينهما. وفي الفصل الثامن، خصصت البحث في مرقد سعيد وموقع المرقد، وناقشتُ بعضَ الآراء في تحديده ثم مبلغ اهتمام المسلمين به والمحافظة عليه وما أجروه على المرقد من عمران على امتداد العصور، ثم ختم البحث بتوجيه الأنظار إلى ما بلغه المرقد الشريف من عمران بما يليق بمنزلة (شيخ التابعين) سعيد بن جبير، والله وليُّ
التوفيق.

تحميل الكتاب

سعيد بن جبير شيخ التابعين وامام القراء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*