عطاء الثورة الحسينية

*ليث الحيدري

هناك جوانب مهمّة في ثورة سيد الشهداء عليه السلام ينبغي على الموالي معرفتها، وحريّ بنا أن نستفيد في حياته من عطاء الثورة الحسينية.

مجلة الوارث - العدد 95فإنّ لكل حركة إصلاحية وثورة جماعية تغييرية معطياتها، ولا يخفى على كل إنسان المعطيات الوافرة للثورة الحسينية ومدى استفادة الأمة الإسلامية وغيرها من هذه المعطيات.

فالتركيز على الجانب الإنساني والمأساوي في الثورة الحسينية من قتل وسلب ونهب وبكاء النساء ونحيب الأطفال لا يكفي لنهوض المجتمع من واقعه المرير، لأنّ الثورة الحسينية لم تحدّد بوقت معيّن وقد حدثت قبل ألف وثلاثمائة عام.

استمرارية الثورة الحسينية من سنة ٦٠ للهجرة وحتى قيام الساعة، بل إنّ ما يعود إلى الناس من النفع والإصلاح في المجتمع ابتدأت بثورة سيد الشهداء عليه السلام وهذه الثورة لها امتداد إلى قيام الإمام المهدي عليه السلام، فهو أيضاً سيقوم بثورة ضد الظلم والاستبداد، كما جاء في الحديث الشريف: «أبشروا بالمهدي رجل من قريش من عترتي، يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً…».(كنز العمال:١٤/٢٦١)

إقامة العدل في الأرض من واجبات خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الإمام المعصوم بنص الرواية الشريفة «لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها».

أي أنّ لو لم يكن هناك من حجة على وجه الأرض لانقلبت الأرض وما فيها على ساكنيها من البشر والحيوانات والنباتات وكل شيء حتى الجماد.

فحريّ بنا أن نركّز على شيء من معطيات الثورة الحسينية العقائدية والأخلاقية والإصلاحية والمعنوية والروحية.

المعطيات العقادية

ورد في التاريخ أن الإمام الحسين عليه السلام وهو في طوافه في موسم الحج عندما رفض أن يبايع يزيد بن معاوية أتاه هاتف إلهامي يأمره بأن يحلَّ من إحرامه وأن يجعل حجته عمرة مفردة وإلاّ سوف يُقتل وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة.

فامتثل الإمام الحسين عليه السلام لأمر الله تعالى، وقد كانت هناك إرهاصاتٌ بذلك كان الإمام عليه السلام على علم بها، وعندما كان في المدينة المنورة زار جده المصطفى وعند القبر بينما هو يزور غفا غفوة رأى فيها جده صلى الله عليه وآله قائلاً له: «إنًّ لك منزلة عند الله لن تنالها إلاًّ بالشهادة».

إنَّ امتثال الإمام الحسين عليه السلام وإحلال إحرامه وخروجه من مكة للحفاظ على حرمة الكعبة يعد قمة في إيمانه بقضاء الله وقدره مع علمه بأنه مقتولٌ لا محالة لرفضه مبايعة يزيد وتمرده على فسقه وفجوره العلني بل على الظلم والاستبداد.

أمّا الموقف الآخر حينما رُمي عبدا لله الرضيع عليه السلام بسهم حرملة لعنه الله في كربلاء أخذ الإمام عليه السلام دم الرضيع المبارك ورماه إلى السماء قائلاً:«هوّنَ عليَّ ما نزل بي إنَّه بعين الله».

فإنّ كلّ ما ينزل بنا هو من الله سبحانه وتعالى فكله هيّن وسهل في جنب الله وفي سبيله، وهو القائل عليه السلام: «رضا الله من رضانا أهل البيت نصبر على عظيم بلائه فيوفينا أجور الصابرين».

المعطيات الأخلاقية

مجلة الوارث - العدد 95لقد أعطت ثورة الإمام الحسين دروساً أخلاقية عظيمة مما يجعل المرء المنصف يتوقف عندها ويتأمل فيها من تلك المواقف، موقف الإمام مع جيش الحر الرياحي وأصحابه عندما شارفوا على الهلاك من شدة العطش والتعب وهم يسيرون في الصحراء بحثاً عن الإمام وأصحابه.

فحين رآهم الإمام وهم بحالة يرثى لها وعلى الرغم من أنّهم من أتباع يزيد وأزلامه، أنقدهم الإمام من الهلاك حيث أمر أصحابه أن يسقوا القوم من الماء ويرشَّفوا الخيل ترشيفاً.

نلاحظ هنا مدى أخلاقيات الإمام الإنسانية، كان باستطاعته أن يفنيهم عن بكرة أبيهم ولكن الأخلاق الإسلامية الرفيعة تأبى ذلك.

بل إنَّ الإمام عليه السلام مع عظمته ومكانته وهيبته وهو ابن رسول الله سقى أحدهم بيده المباركة الشريفة وهو علي بن الطعّان ومع شديد الأسف هذا اللعين نفسه شارك في قتل الإمام الحسين عليه السلام.

من هنا يتمّز الأخلاق الحسينية الفاضلة عن الأخلاق اليزيدية القذرة، فكأن جيش بني أمية لم يقرأوا القرآن طيلة حياتهم، ولم يسمعوا باسم رسول الله صلى الله عليه وآله بل وكأنّهم غير مسلمين من ملّة أخرى.

فشملت أخلاقيات الحسين حتى الحيوان والرفق به حيث لم ينسَ خيولهم بل أمر أصحابه أن يرشفوا الخيل ترشيفاً، هذا مع حاجة الإمام إلى الماء وهو في سفر، مما يعطينا درساً في العفو والرحمة والرفق والشفقة والإنسانية، درساً عملياً تراه بعين القلب وكأنه متجسدٌ أمامك ينبض بالحيوية والحياة مما يؤثر تأثيراً بالغاً على النفس ويصقلها صقلاً أخلاقياً جميلاً.

درسٌ آخر يعطينا إيَّاه الإمام عليه السلام في المساواة والتواضع عندما استشهد العبد جون وضع خدَّه على خده وهو يبكيه ويندبه تماماً كما فعل مع ابنه علي الأكبر عليه السلام.

وموقف آخر يدلُّ على عظمة أخلاقه ونبله عليه السلام، كما جاء في سيرته المباركة، بكاؤه على أعدائه يوم المعركة في كربلاء عندما سُئل عن بكائه قال عليه السلام: «أبكي على هؤلاء سوف يدخلون النار بسبب قتلي».

هذا الموقف النبيل يربينا ويروض أنفسنا على الرحمة والرأفة والتسامح والعفو حتى عن الأعداء كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «لا يحيف على من يبغض – أي لا يظلم من يبغض – ولا يأثم في من يحب».

وموقف آخر من أبي الفضل العباس عندما نزل المشرعة بعد أن أجلى الأوغاد عنها لأنهم منعوا معسكر الحسين من الماء، وبينما كان العباس يملأ القربة أحسَّ ببرد الماء وهو عطشان عطشاً شديداً فملأ كفه ليشرب لكنه تذكر عطش أخيه الحسين حين ذاك رمى الماء من كفه وقال:

يا نفس من بعد الحسين هوني

                              وبعده لا كنت أن تكوني

هذا الحسين وارد المنون

                           وتشربين بارد المعين

رفض عليه السلام شرب الماء قبل أخيه الحسين عليه السلام مع أنّ شرب الماء مباح له، لكن ألزم نفسه على أن لا يرتوي قبل أخيه الحسين عليه السلام فهذا الموقف العظيم يدلُّ على عظمة شخصيَّة العباس عليه السلام وعلى التربية الإسلامية الأصيلة التي تلقاها على يد والده الإمام علي عليه السلام الذي زرع فيه تلك الروح الأبية والمبادئ الإسلامية النبيلة.

الإصلاح الحسيني

إن مبدأ خروج الإمام الحسين عليه السلام على فساد المجتمع، كذلك ما أفسده يزيد لعنه الله، فقام عليه السلام على أساس الإصلاح في أمّة محمد صلى الله عليه وآله وتطبيق أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو القائل عليه السلام: «لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي أُريد أن آ مر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب».

فهو عليه السلام قام بتقديمه الغالي والنفيس من عرضٍ ومال وأهل وأولاد وأصحاب وكل شيء في سبيل الله من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد رفع من أهمية هذا الأصل في عيون المؤمنين في الوقت الذي توقف فيه الآخرون لدى تطبيقهم لهذا الأصل عند حدود منع الضرر الشخصي، وبذلك قد حطّوا من قيمة هذا الأصل وأهميته.

التضحية

مجلة الوارث - العدد 95إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام تبقى على مر العصور مثالاً يُحتذى به في التضحية والجهاد والاستشهاد ومقارعة الظلم والظالمين، لقد قدَّم الحسين عليه السلام نفسه قرباناً في سبيل استقامة الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله حتى قيل:(الإسلام محمديُّ الوجود حسينيُّ البقاء) أي كان وجود الإسلام وظهوره بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وكان استمراره وبقاؤه بتضحيات الإمام الحسين عليه السلام حتى الشباب الذين كانوا في عمر الزهور اليافعة قدموا أنفسهم للاستشهاد في سبيل الحق، كعلي الأكبر والقاسم بن الحسن وعبد الله بن الحسن وغيرهم.

فهؤلاء الأبطال الشباب كانوا من أوائل من استشهد من أهل بيت سيد الشهداء عليه السلام، ولهم مواقف تدلّ على عظمتهم وشجاعتهم وحكمتهم.

فعندما غفا الإمام الحسين عليه السلام في مسيره إلى كربلاء رأى رؤيا استرجع الإمام منها بعد غفوته، وحين سمعه علي الأكبر سأله: لمَ استرجعت يا أبي، قال:«سمعت هاتفاً يقول القوم يسيرون والمنايا تسير بهم»، فقال علي الأكبر: ألسنا على الحق يا أبي؟ قال:«بلى يابني»، قال: إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا.

هذا الموقف ومواقف كثيرة في كربلاء، مثل خروج القاسم بن الحسن للجهاد واستشهاده في سن لم يبلغ الحُلم، أصبحت تلك المواقف البطولية الاستشهادية نبراساً يسير عليه معظم المجاهدين في تقديم أنفسهم من أجل الإسلام العزيز ونصرته.

العطاء الروحي والمعنوي

لقد كانت ملحمة سيد الشهداء عليه السلام مسرحاً للعطاء الروحي والمعنوي، فيستطيع الإنسان أن يدرك عظمة القدرة الأخلاقية والروحية والمعنوية للبشر في الثورة الحسينية، كما يستطيع أن يفهم ويستوعب حجم المقدرة البشرية على العطاء والتضحية والظهور بمظهر التحرر والدفاع عن الحق وعبادة الله تعالى رب العباد.

فالمتتبع لقضية كربلاء يلاحظ ظهور معاني الصبر والتحمل والشجاعة والتضحية والإقدام والفداء وعدم التردد والحيرة والصبر والرضا والتسليم والمروءة والكرم والنبل والإيثار والسماحة…وغير ذلك من الصفات الروحية والمعنوية التي خلّدها الإمام الحسين وأصحابه عليهم السلام بثورته المباركة.

كما يعجز القلم عن وصف الحالة المعنوية التي تمتعوا بها في ذلك الوقت التضحوي الصعب على الإنسان.

إذن علينا أن ننهض إلى مستوى المسؤولية في إصلاح مجتمعنا ونقوم بتنمية قدراتنا للوقوف أمام أعداء الإسلام بكل ما أوتينا من قوة، فإنّ أعمالنا تُشاهد يقول تعالى: {وقد اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون…}.

وإنّ إبراز الجوانب المعنوية والروحية التي تعود على المرء بالفائدة الكبرى في مسيرة حياته، من الثورة الحسينية ضروري وواجب، لهذا يجب علينا التأسّي والتأثُّر واقتباس الجوانب العظيمة والمشرقة التي سطرها الإمام الحسين عليه السلام بدمه وتضحياته والمضي قدماً نحو النهوض بالأمة وإصلاحها عن طريق تطبيق الأصل المنسي لدي الناس ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر…}.

وعلينا أن نقتبس من تلك الأنوار العطاء المعنوي والروحي الذي شعّ من نور سيد الشهداء عليه السلام، وتنوير أنفسنا منها حتى نصل إلى كمال الإيمان والفوز بسعادة الدارين.

شاهد أيضاً

مجلة الوارث - العدد 99

بعض المفاهيم المزوّرة عن عاشوراء

*الشيخ حسين الخشن من الواضح أنّ السياسة الأموية أسست أساس الظلم والاستبداد على المجتمع الإسلامي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *