التقصير في معرفة الإمام عليه السلام

مجلة الوارث - العدد 99* الشيخ محمد السند

روي في مصباح الزائر للسيد ابن طاووس أعلى الله مقامه في زيارة الإمام الحجة عج: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَعَرَّفْنَا أَوْلِيَاءَهُ وَأَعْدَاءَهُ، وَوَفَّقَنَا لِزِيَارَةِ أَئِمَّتِنَا، وَلَمْ تَجْعَلْنَا مِنَ الْمُعَانِدِينَ النَّاصِبِينَ، وَلاَ مِنَ الْغُلاَةِ الْمُفَوِّضِينَ، وَلاَ مِنَ الْمُرْتَابِينَ الْمُقَصِّرِينَ».(المزار الكبير:٦٥٧)

وورد في الزيارة الجامعة: «فَالرَّاغِبُ عَنْكُمْ مَارِقٌ وَاللاَّزِمُ لَكُمْ لاَحِقٌ وَالْمُقَصِّرُ فِي حَقِّكُمْ زَاهِق».(من لا يحضره الفقيه:٢/٦١٢)

وفي زيارة عاشوراء المعروفة قال عليه السلام تعليماً للزائر: «…وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقَامِكُمْ وَأَزَالَتْكُمْ عَنْ مَرَاتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيهَا…».

وروى الشيخ الكليني أعلى الله مقامه في الكافي الشريف أيضاً في مصحح عَنْ أَبِي الْفَضْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي عليه السلام فَأَجْرَيْتُ اخْتِلاَفَ الشِّيعَةِ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَفَاطِمَةَ فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا وَأَجْرَى طَاعَتَهُمْ عَلَيْهَا وَفَوَّضَ أُمُورَهَا إِلَيْهِمْ فَهُمْ يُحِلُّونَ مَا يَشَاءُونَ وَيُحَرِّمُونَ مَا يَشَاءُونَ وَلَنْ يَشَاءُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى»، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ الدِّيَانَةُ الَّتِي مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مُحِقَ وَمَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ».(الكافي الشريف:١/٤٤١)

ليس المراد من التفويض في الرواية التفويض العزلي الباطل بمعنى عزل قدرة البارئ عن الأشياء و العياذ بالله بل المراد إقدارهم وهو تعالى أقدر منهم فيما أقدرهم عليه نظير إيكال قبض الأرواح إلى عزرائيل وتنزيل الوحي إلى جبرائيل.

قال الشيخ المجلسي أعلى الله مقامه في البحار في شرح الرواية: (والديانة الاعتقاد والمتعلق بأصول الدين من تقدمها أي تجاوزها بالغلو مرق أي خرج من الإسلام، ومن تخلف عنها أي قصر ولم يعتقدها محق أي أبطل دينه، ومن لزمها واعتقد بها لحق أي بالأئمة أو أدرك الحق، خذها إليك أي احفظ هذه الديانة لنفسك).(بحار الأنوار:٢٥/٣٤٢)

وروى الشيخ الكليني رحمه الله عَنْ ضُرَيْسٍ الْكُنَاسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام يَقُولُ وَعِنْدَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ يَتَوَلَّوْنَا وَيَجْعَلُونَا أَئِمَّةً وَيَصِفُونَ أَنَّ طَاعَتَنَا مُفْتَرَضَةٌ عَلَيْهِمْ كَطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله ثُمَّ يَكْسِرُونَ حُجَّتَهُمْ وَيَخْصِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِضَعْفِ قُلُوبِهِمْ فَيَنْقُصُونَا حَقَّنَا وَيَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ بُرْهَانَ حَقِّ مَعْرِفَتِنَا وَالتَّسْلِيمَ لأَمْرِنَا أَتَرَوْنَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى افْتَرَضَ طَاعَةَ أَوْلِيَائِهِ عَلَى عِبَادِهِ ثُمَّ يُخْفِي عَنْهُمْ أَخْبَارَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض…‏».(الكافي الشريف:١/٢٦١)

وجوب طاعة الرسول و الإمام  وولايتهم العامة

إنّ مفهوم الدين والديانة هو الخضوع بالطاعة في اتّجاه من له الولاية، ومن ثمّ كانت الديانة هي الطاعة، والمطاع هو الدائن، وكذلك في مفهوم الإسلام الذي هو من التسليم والخضوع.

ومن ذلك يتقرّر المطلوب من أنّ ولاية النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، أي وجوب طاعتهم تتّسع لكلّ حدود ودائرة الدين والديانة في طول وتبع ولاية الله تعالى وطاعته، ومن ثمّ تتبلور القراءة الصحيحة لقوله تعالى: {أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.[النساء:٥٩]

وقـوله تعالـى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.[المائدة:٥٥-٥٦]

فإنّ وجوب طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام وولايتهم ليست مقتصرة على الحاكمية السياسية، بل هي ولاية وقيمومة على هذا الدين، كما هو الحال في وجوب طاعة الله وولايته، حيث إنّها غير مقتصرة على الحاكمية السياسية والقضائية والتشريع السياسي، بل هي ولاية عامّة بحدود سعة الدين والديانة، حتّى في الأبواب العِبادية، بمعنى أنّ رسم العبادة لله تعالى هو بتوسط سنن وأوامر نبوية وسنن وأوامر مولوية، كما هي مشتملة على فرائض وأوامر إلهية، فقصد الأمر المأخوذ في العبادة هو امتثال الأمر الشامل للأقسام الثلاثة من الأوامر، فبطاعتهم يُعبد الله تعالى.

وإلى ذلك يشير ما رواه المشاريخ كـ(الكليني، والمفيد، والطوسي) رضوان الله تعالى عليهم في الصحيح عن محمّد بن زيد الطبري، قال: كُنْتُ قَائِماً عَلَى رَأْسِ الرِّضَا عليه السلام بِخُرَاسَانَ وَعِنْدَهُ عِدَّةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَفِيهِمْ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْعَبَّاسِيُّ فَقَالَ: «يَا إِسْحَاقُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ النَّاسَ عَبِيدٌ لَنَا، لا وَقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله مَا قُلْتُهُ قَطُّ وَلاَ سَمِعْتُهُ مِنْ آبَائِي قَالَهُ وَلاَ بَلَغَنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْ آبَائِي قَالَهُ وَلَكِنِّي أَقُولُ النَّاسُ عَبِيدٌ لَنَا فِي الطَّاعَةِ مَوَالٍ لَنَا فِي الدِّينِ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ».(الكافي الشريف:١/١٨٧)

وما ورد في الروايات من زيارة قبر الحسين ابن علي عليهما السلام في باب السلام على الأئمة الهاديين المهديين: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِكَ وَأَخِي رَسُولِكَ الَّذِي انْتَجَبْتَهُ بِعِلْمِكَ وَجَعَلْتَهُ هَادِياً لِمَنْ شِئْتَ مِنْ خَلْقِكَ وَالدَّلِيلَ عَلَى مَنْ بَعَثْتَهُ بِرِسَالاتِكَ وَدَيَّانَ الدِّينِ بِعَدْلِكَ وَفَصْلَ قَضَائِكَ بَيْنَ خَلْقِكَ وَالْمُهَيْمِنَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه».(الكافي الشريف:٤/٥٧٢)

إذن وجوب الانقياد إلى الرسول والإمام صلوات الله وسلامه عليهم هو الوصول إلى الله تبارك وتعالى، وليس إطاعة المعصوم فيه مخالفة لأوامر الله، لأنّ الخليفة هو من نصّبه الخالق، ولا يكون خليفة إلاّ أن يتّصف بالصفات الإلهية، فإطاعة المعصوم يعني إطاعة الرسول ومن ثمّ إطاعة الله تعالى.

شاهد أيضاً

ظاهرة تفشي الإلحاد في المجتمعات الإسلامية الأسباب والعلاج

*شعبة الدراسات والبحوث الإسلامية/ عن مصادر بتصرف الإلحاد وأسبابه إنّ تعنّت الملحدين قبال الأديان وخصوصاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *