الحكمة من فعل المعصوم

مجلة الوارث - العدد 99*السيد صدر الدين العاملي

نحن عندما ننظر إلى أي أمر معقد أو مرتبط بالحكمة الإلهية أو بتصرف المعصوم من قول أو فعل أو أحد الراسخين في العلم، فسوف نواجه وعرة في السيرة وصعوبة في الرؤية إلى حد قد يكون أحياناً نجد الباب مغلقاً أمامنا تماماً للصعود الذي نطمع الوصول إليه في هذا السبيل.

هناك بعض الأمور لو لاحظنا فيها لكشف هذا الغطاء عن أعيننا ولأصبحت الرؤية واضحة وجلية في اختيار المعصوم وقوله وفعله.

الأمر الأول

تم البرهان في مباحث العقيدة الإسلامية على أنّ العلم الإلهي والحكمة الإلهية لا متناهيان ومطلقان ولا حد لهما، وأنّ اطّلاعه جل جلاله على الواقعيات على مختلف المستويات أكيد وثابت على أوسع نطاق.

بل كل صفاته الذاتية هكذا جل جلاله وكثير من أسمائه فهو لا متناهي العلم والقدرة والحكمة والعدل والرحمة والحياة والوجود والجود والنعمة إلى غير ذلك.

كما ثبت أنّ العقل الإنساني مهما تسامى، فهو محدود بحدود لا يمكنه أن يتعداها، ومن البديهي أنّ المحدود يستحيل أن يدرك اللامحدود.

إذن ليس للإنسان أن يدرك العلم الإلهي والحكمة الإلهية كما هي، وإنّما ينال منهما بقدر استحقاقه وقابليته وعقله وبمقدار عطاء الله له.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: «الْعِلْمُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاء».(مصباح الشريعة:١٦)

الأمر الثاني

إنّنا نشعر وجداناً بعدم إحاطتنا بالواقعيات على واقعها، لا من ناحية العقل (النظري) ولا من ناحية العقل (العملي).

والعقل النظري: هو إدراك ما ينبغي أن يُعلم.

والعقل العملي: هو إدراك ما ينبغي أن يعمل.

فإنّ العقل لا شكّ يدرك عدداً من القضايا كبيراً جداً بوضوح تام ووجدان كامل.

ولكنه حين يأتي إلى قضايا أخرى بعدد كبير أيضاً، فإنّه يشك فيها ولا يستطيع أن يعطي حولها قناعة أو جزماً معيناً.

إمّا لأنّها غير واضحة لذاتها أو للشك في تحقق موضوعها وموردها أو لوقوعها موقع التعارض والتزاحم مع قضايا أخرى، ولعل العقل يجهل المحصّل أو النتيجة التي ينبغي البت بها بعد التزاحم.

ولا شك أنّنا لو كان عندنا إدراك للواقعيات لما تورّطنا في مثل هذه الشكوك والجهالات.

الأمر الثالث

حينما نتحدث عن أمر تاريخي كواقعة الطف أو خروج سيد الشهداء عليه السلام، يمكن أن نتمثل بهذا المثل وهو قول العرف: (يرى الحاضر ما لا يرى الغائب).(مجمع الأمثال:٢/٥٠٩)

ومن الواضح أنّهم كانوا حاضرين ونحن غائبون، وهم مشاهدون ونحن غير مشاهدين.

إذن ليس من حقنا أن نعترض على أية واضعة تاريخية، نشاهدها ولم نحط بها خبراً.

إذ لعل أهلها والقائمين بحوادثها قد علموا ما لم نعلمه من القرائن والحوادث والعلاقات وشخصوا التكليف لهم بأن يفعلوا كذا أو يتركوا.

وليس لنا أن نفتح أفواهنا ضدهم بشيء ونحن غير ملمين بالموضوع من جميع جهاته.

مع أنّهم لا شك كمعاصرين للأحداث وملاحظين لها حال وقوعها: إنّهم ملمون بها من جميع جهاتها.

الأمر الرابع

إنّ الهدف أو الحكمة من كل قول أو فعل وارد عن المعصوم عليهم السلام، لا ينحصر أن يكون هدفاً واحداً، بل يمكن أن يكون متعدداً، سواء ما نعلمه من الأهداف أو ما نحتمله منها، أو الأهداف التي تكون بالحكمة الإلهية، والمهم إمكان تعدد الأهداف لأي تصرف.

ومن هنا يمكن أن تتعدد الأطروحات المحتملة المصححة لتلك التصرفات.

فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عليه السلام: «إِنِّي أَتَكَلَّمُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهاً لِي مِنْهَا الْمَخْرَجُ».(بصائر الدرجات:١/٣٣٠)

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْخِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: «حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ وَلاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فَقِيهاً حَتَّى يَعْرِفَ مَعَارِيضَ كَلاَمِنَا وَإِنَّ الْكَلِمَةَ مِنْ كَلاَمِنَا لَتَنْصَرِفُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهاً لَنَا مِنْ جَمِيعِهَا الْمَخْرَجُ».(معاني الأخبار:٢)

الأمر الخامس

إنّ أيّ شيء في الخليقة فإنّ لوجوده نحواً من الحكمة والهدف أو كما يعبّر عنه بالعلة الغائية، وهو السبب الذي لأجله يحصل الفعل.

وقد عبّر العلامة الحلي بقوله: (إنّ كل فاعل بالقصد والإرادة فإنّه إنّما يفعل لغرض وغايةٍ ما وإلاّ لكان عابثاً، فإنّ الفاعل للبيت يتصور الاستكنان أولاً فيحاول إلى إيجاد البيت ثم يوجد الاستكنان بحصول البيت).(كشف المراد:٩٥)

فكل موجود مشمول لذلك، سواء كان إنساناً أم حيواناً أم نباتاً أم جماداً أم ملائكة أم غيرها الموجودات.

لا يشذ عن ذلك حتى الأفعال الاختيارية للفاعلين المختارين من الناس أو غيرهم.

فإنّها على الرغم من أنّها اختيارية منسوبة لأصحابها ويستحقون عليها المدح أو القدح، إلاّ أنّها بصفتها خلقاً من خلق الله سبحانه وتعالى فهي منسوبة إليه جل جلاله.

ومن ثم يكون إيجادها طبقاً لتلك القاعدة ذا حكمة وعلة غائية.

ومن هنا يمكن القول أو يثبت الأمر، أنّ أي فعل من أفعالنا فهو له نحوان من المقاصد:

نحو يعود إلى الفاعل نفسه.

ونحو يعود إلى الخالق جل جلاله.

فلا يختلف في ذلك فعل الإنسان البسيط عن العظيم والعالم عن الجاهل والمعصوم عن غيره وهكذا.

فمثلاً: يمكن القول: إنّ الإمام الحسين عليه السلام إنّما قام بحركته العظيمة، من أجل غرضه الشخصي، بينه وبين نفسه، وذلك لأجل قيامه بواجب من الواجبات الموكلة إليه والمكلف بها، تماماً كما لو صلينا صلاة الظهر امتثالاً لأمر الله سبحانه علينا وجوباً من ناحية وطمعاً بالثواب الناتج منها من ناحية أخرى.

وقد أمر الله سيد الشهداء عليه السلام بهذه الحركة، فهو يمتثل هذا الأمر، متوخياً الثواب العظيم، والمقامات العليا التي ذخرها الله سبحانه له، والتي لن ينالها إلاّ بالشهادة.

فالتساؤلات عن حركة الإمام الحسين عليه السلام إنّما هي من قبيل التساؤلات عن الحكمة الإلهية فيها، وليس عن الأغراض الخاصة بالحسين عليه السلام منها كما شرحناه ومن هنا يكون الاعتراض على الحركة والطعن في أهدافها، إنّما طعن بالحكمة الإلهية مباشرة وليس في أغراض الحسين عليه السلام منها.

لأنّ أغراضه الشخصية لم تكن بكل بساطة إلا الامتثال للأمر الإلهي، كذلك العمل بالواجب والتكليف الشرعي كونه إماماً معصوماً مفترض الطاعة عليه أن يقود أمّة جدّه صلى الله عليه وآله وأن يطبّق الشريعة الإسلامية التي جاء بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله على الأرض لأنّه حجة الله تعالى على الخلائق أجمعين.

الأمر السادس

مجلة الوارث - العدد 99لا ينبغي ونحن ننظر إلى فهم التاريخ الإسلامي أن ننظر إلى القادة المعصومين سلام الله عليهم كقادة دنيويين، كما عليه تفكير طبقة من الناس السذّج، يدّعون التمسك بالفكر الديني ولكنهم متأثرون بالاتجاه المادي الدنيوي.

فهم يعتبرون المعصومين قادة دنيويين كبراء، بل هم بهذه الصفة خير من خير القادة الموجودين خلال العصور كلها، في اتصافهم بعمق التفكير وحصافة الرأي وشجاعة التنفيذ ونحو ذلك.

ومعه يكونون هم المسؤولون عن أهداف حركاتهم وأقوالهم وأفعالهم ولا تكون تلك الأمور منسوبة إلى الحكمة الإلهية بأي حال.

إلا أنّ ذلك خطأ لا يغتفر، بل لابد في النظر إليهم كقادة من أخذ كل الأصول الدينية والعقائد الصحيحة بنظر الاعتبار.

وقد ثبت أنهم معصومون مسددون من قبل الله سبحانه.

فالسؤال عن الحكمة لابد وأن يكون راجعاً إلى الحكمة الإلهية لا إلى آرائهم الشخصية مهما كانت مهمة.

فإذا اعتبرناهم قادة دنيويين، فإننا ينبغي أن نعترف بفشلهم في كثير من المهمات التي قاموا بها فعلاً.

وتكون كثير من أفعالهم خالية من الحكمة والمصلحة، بل تكون واضحة الفشل من الناحية الدنيوية.

فمثلاً أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد خرج إلى الكوفة ثم إلى كربلاء وهو يعلم أنّه سوف يموت وإنّ عائلته سوف تسبى.

وليس الأمر منحصراً به، بل يعلم بذلك عدد من الناس، ومن هنا نصحه المتعددون أن يعيد النظر في عمله ويستدرك مهمته.

وممن كانوا حاولوا منع الحسين عليه السلام من الخروج مشفقين به كالآتي:

١. المسوّر بن محرمة بن نوفي القرشي الزهري.(تاريخ دمشق لابن عساكر:١٣/٦٩)

٢. عبد الله بن عباس.(الكامل في التاريخ لابن الأثير:٣/٢٧٦)

٣. عبد الله بن جعفر. (تاريخ الطبري:٦/٢١٩)

٤. أبو بكر المخزومي بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي القرشي.(مروج الذهب:٣/٦)

٥. عبد الله بن جعدة.(أنساب الأشراف:١/١)

٦.جابر بن عبد الله.(تاريخ الإسلام للذهبي:١/٣٤٢)

٧.عبد الله بن مطيع.(العقد الفريد:٣/١٢٣)

٨.عمرو بن سعيد.(تاريخ دمشق:١٣/٧٠)

٩. محمد ابن الحنفية.(بحار الأنوار:٤٤/٣٦٤)

١٠. أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وآله أمّ سلمة.(أسرار الشهادة للدربندي:١٩٢)

١١. عبد الله بن الزبير.(تاريخ ابن عساكر:١٣/٦٧)

١٢.عبد الله بن سليمان والمنذر بن المشمعل الأسديان.(الكامل في التاريخ:٤/١٧)

١٣. الطرماح بن حكم.(أسرار الشهادة:٢٢٦)

١٤. عبد الله بن عمر.(مثير الأحزان للحلي:٣٤)

لكنه مع ذلك كان مهتماً بها مقبلاً عليها مهما كانت النتائج.

فلو نظر إليها نظراً دنيوياً لكانت في نظرنا حركة فاشلة تماماً، وإذا جردنا من الإمام الحسين عليه السلام قائداً دنيوياً كان رأيه خالياً من الرشد والحكمة وحاشاه.

إذن، فالأمر لابد عائد إلى الأمر الإلهي والحكمة الربّانية، والله سبحانه يريد بإيجاد هذه الحركة أهدافاً تعدل هذه التضحيات الجسام التي قدمها هذا الإمام العظيم سلام الله عليه.

فضلاً عن أنّ الإمام نفسه مؤيّد ومسدّد من قبل الله تعالى، ومن هنا استطاع أن يعلم بنحو أو آخر بالأمر الإلهي المتوجه إليه بإيجاد هذه الحركة.

إمّا بالأمر الموروث إليه من قبل جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله أو بالعلم اللّدني أو التسديد الإلهي الموجود لديه.

النتيجة

لا يمكن قبول أمر ما أو الاعتقاد بشيء من دون التحري والبحث حول القضية، فمما لا شكّ أنّ الوقائع التاريخية لم نحضرها أبداً، لكن ليس هناك مسوّغ لعدم قبول واقعة تاريخية مهما كان الأمر من عدم قبول عقل الإنسان أو المنطق البشري.

فهناك حكمة إلهية غيبية لا يعلمها البشر قد تكون في الحادثة التاريخية أو في موقف سابق حدث، واختفاء الحكمة عن الإنسان ليس بالضرورة سبب لنكران الواقعة أو التشكيك في تفاصيلها أو كلّياتها وجزئياتها.

فالعقل البشري لا يحتمل أموراً مهمة وكثيرة إلا ما يراها بعينه أو يمكنه تصوّر صورة ذهنية عن الموضوع.

فالمعصوم يعلم بجميع الأمور من الله تبارك وتعالى ويخطو بخطوات لا يخطوها إلا بإذن الله تعالى، حيث يقول القرآن الكريم: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* ‏ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى}.[النجم:٣-٤]

وهذه شهادة من القرآن الكريم على أنّ المعصوم فعله وقوله وتقريره ليس منه بل هو وحي من الله تعالى، ولمّا كان الإنسان غير ملمّ بالوحي وبالغيبيات فلا يحقّ له أن يشكك في شيء لا يعلمه أو لم يحضر في حال وقوعه.

وإذا سلّم على أنّ المعصوم لا يخطأ ولا ينطق إلا بالوحي فعلى العبد أن يسلّم تسليماً تاماً للمعصوم في أقواله وأفعاله وتقريره من أدنى شك.

شاهد أيضاً

ظاهرة تفشي الإلحاد في المجتمعات الإسلامية الأسباب والعلاج

*شعبة الدراسات والبحوث الإسلامية/ عن مصادر بتصرف الإلحاد وأسبابه إنّ تعنّت الملحدين قبال الأديان وخصوصاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *