الإلحاد.. ظاهرة تعاود الظهور

 مجلة الوارث - العدد 99*صاحب عبدالصاحب

بعد أن ابتعد المسلمون عن القرآن وهديه, وتركوا سيرة نبيهم ونهجه, عصفت عليهم عواصف الجهل والشبهات، وحاطتهم من كل الجهات، حتى تاه منهم قومٌ، فارتدَّوا عن الملَّةِ وتركوا الأثر.

عندما بُعثَ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان الجهلُ سائداً على القوم، والانحرافُ الفكري متشبعاً بأفكارهم كالنوم، فقد كانوا يجهلون ولا يتفكرون حتَّى، بعظمة الخلق ودقة إيجاده، ليَرشُدُوا إلى سبيل الهداية والسداد.

إنَّ عظمة صنع الخالق وإدراك وجوده، تُنالُ بدليلين، أولهما الدليل العقلي أو ما يُسمى بالبرهان، وثانيهما الدليل النقلي وهو متمثل بالآيات والروايات.

فالأول يطلب من الإنسان التأمل والتفكير بعظمة الموجِد العظيم، والثاني يتطلب من صاحب القلب السليم والعقل الفهيم أن يوسع نطاقه الفكري بالمطالعة وتتبع الآثار.

لقد اهتمتْ عموم الأديان والرسالات السماوية بمبدأ التوحيد أعظم اهتمام واجتهدت في إثباته، حتى عُدَّ أصل الأصول؛ كونه يُثبت علة مجيئها، وقد كان في قبال هذه الجهود مجاميع ممن يدَّعون امتلاكهم فكراً من الملاحدة والطبيعيين واللاربوبيين وغيرهم، يطرحون تشكيكاتهم، ويُثيرون التساؤلات حول وجود الإله وعدمه؟ أو نفي قدرته وعدله، أو ما هي آثاره؟ وغيرها.

فغاصَ في هذه التساؤلات وما نتج عنها من تشكيكات كثير من الناس، وما زالت تُرَوَج حتى يومنا هذا، مع أنَّها فُنِدَتْ ورُدَّت في حينها، إلاّ أن موظتها قد عادتْ وتنكرت بالحداثة الحالية تماشياً مع التطور الحاصل.

إنَّ المتتبع لهذا المجال يجد أنّ الإثارات المطروحة أو التي تُطرح من قبل هؤلاء اللادينيين تصب في مصب واحد، ولا تختلف أبداً عن ما كان يُطرح سابقاً، ولكن الاختلاف طرأ على أسلوب الطرح وصياغة العبارة.

منشأ الإلحاد

لقد كان في الأزمان الماضية والتي سبقت ميلاد نبي الله عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام مدارس فكرية كثيرة ومتنوعة خصوصاً في اليونان؛ لانفتاح هذه البلاد فكرياً وتطورها سياسياً وانتشار الحرية فيها آنذاك، فاستعمل اليونانيون القدماء كلمة (الإلحاد) والتي تُعد ترجمة للكلمة الإغريقية (Atheos) قاصدين بها: (عدم الإيمان بإله).

ففي القرن الخامس قبل الميلاد تم إضافة معنىً آخر لها هو: (إنكار فكرة الإله الخالق الأعظم)، وقد لاقت هذه الفكرة رواجاً في حينها واعتقد بها الكثير.

ثم تلت العصور، وتجادلت المدارس الفكرية فيما بينها، الأمر الذي أدى إلى زوال كثير منها إضافةً إلى ظهور غيرها.

ثم جاء الإسلام، الدين الخالد، الذي رغم ما تعرض ويتعرض له من هجمات فإنّه يأبى الزوال أو الخراب، وقد وعد الله تعالى بحفظه عن طريق حفظ الثقل الأكبر منه بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُون}[الحجر:٩]

بتعدد طرق الحفظ ووسائله ورأسها وأصلها هو بوجود الإمام المعصوم عليه السلام ولهذا الموضوع استقلالية تُطرح في محلها إن شاء الله، ‏حيث واجه الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله الكثير من هؤلاء وقد كان يُطلق عليهم في حينها اسم (الدهريين) كونهم ينسبون أصل الخلق إلى الدهر (الزمن) وقد ذكر القرآن الكريم محاججة بعضهم حيث أنكروا المعاد والبعث ونسبوا الهلاك إلى الدهر فيتبين أعتقادهم بأنّ الموجد لهم هو الدهر كون المُعدِم والموجِد سواء، وردت هذه المحاججة في قوله تعالى: {وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّون}[الجاثية:٢٥]

إنّ المتدبر في الآية الكريمة يجد أنّهم مع قولهم بأنّ الدهر هو مهلكهم فإنّهم لا يملكون يقيناً ودراية بذلك بل يظنون بحدوثه، إضافةً إلى ادعائهم بأنّ الحياة مرة واحدة فلا حياة بعد الموت الأمر المخالف للفطرة السليمة التي تؤمن وتُقر بلزوم الحساب والجزاء وإلا انتفت حكمة إيجاد الحياة.

لقد أسلفت بأنّ المنكرين لوجود الخالق تعالى، هم كُثُر ومتنوعو المسميات والمناهج، إلا أنَّهم جُمعوا تحت عنواناً واحداً هو (اللادينيين)، ويُعد هذا المصطلح عنوان عريض تندرج تحته الكثير من القناعات والتوجهات الفكرية والفلسفية والعلمية المرتبطة بالأسئلة الجوهرية عن خلق الكون ومغزاه، وعن السياسة والأخلاق، ولكن تعريف (اللادينية) بشكلٍ مبسط هو: (الإعتقاد بأنّ أي دين هو من صنع الانسان وليس من عند إله).

بعض تقسيمات الإلحاد

مجلة الوارث - العدد 99قسّم البعض اللادينيين من حيث نظرتهم للآلهة إلى ثلاثة أنواع:

١. الملحدون: وهم الذين يرفضون فكرة وجود قوى فوق طبيعية كالآلهة رفضاً صريحاً.

٢. اللاأدرية: وهم الذين لا يتخذون موقفاً معيناً من قضية الآلهة باعتبارها كما يعتقدون مسألة علمية ولا تحمل أهمية جوهرية بالنسبة للإنسان فهم لا يرفضون ولا يعتقدون بوجود الآلهة.

٣. الربوبيون: وهم الذين يعتقدون بوجود قوة مسيرة للكون قد لا تكون بمفهوم الإله الشخصي أو الخالق، في الوقت الذي ينضمرون فيه ضمن إطار اللادينية.

وبسبب التعريف السالف الذكر للإلحاد والذي يُعد غير واضح المعالم إضافةً إلى وجود تيارات عديدة تحمل فكرة الإلحاد، نشأت محاولات لرسم حدود واضحة عن معنى الإلحاد الحقيقي وأدت هذه المحاولات بدورها إلى تفريعات وتقسيمات ثانوية لمصطلح الإلحاد، فأنتجت بعض التصنيفات للإلحاد من أبرزها:

  • إلحاد قوي أو إلحاد موجب وهو نفي وجود إله
  • إلحاد ضعيف أو إلحاد سالب وهو عدم الاعتقاد بوجود إله.

والفرق بينهما هو أن الملحد الموجب ينفي وجود الله وقد يستعين بنظريات علمية وفلسفية لإثبات ذلك، بينما الملحد السالب يكتفي فقط بعدم الاعتقاد بالله نظراً لعدم قناعته بالأدلة التي يقدمها الموحّدون.

ولو درسنا الواقع حللنا الظروف المعاصرة لاكتشفنا العديد من الأسباب التي أدت إلى ظهور ظاهرة الإلحاد ونموها في مجتمعاتنا، كما حدث سابقاً في المجتمعات الغربية وخصوصاً الأوروبية منها قبل مئات السنين، فقد روت كارين أرمسترونغ في كتابها (تاريخ الخالق الأعظم):

(منذ نهايات القرن السابع عشر وبدايات القرن التاسع عشر ومع التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهده الغرب بدأت بوادر تيارات أعلنت استقلالها عن فكرة وجود الخالق الأعظم. وهذا العصر كان عصر كارل ماركس وتشارلز داروين وفريدريك نيتشه وسيغموند فرويد الذين بدأوا بتحليل الظواهر العلمية والنفسية والاقتصادية، والاجتماعية، بطريقة لم يكن لفكرة الخالق الأعظم أي دور فيها. وقد أسهم في هذه الحركة الموقف الهش للديانة المسيحية في القرون الوسطى وماتلاها نتيجة للحروب والجرائم والانتهاكات للإنسانية التي تمت في أوروبا باسم الدين نتيجة تعامل الكنيسة الكاثوليكية بما اعتبرته هرطقة أو خروجاً عن مبادئ الكنيسة حيث قامت الكنيسة بتشكيل لجنة خاصة لمحاربة الهرطقة في عام ١١٨٤ م وكانت هذه اللجنة نشيطة في العديد من الدول الأوروبية، وقامت بشن الحرب على أتباع المعتقد الوثني في غرب أوروبا.

والوثنية هي اعتقاد بأنّ هناك قوتين أو خالقين يسيطران على الكون يمثل أحدهما الخير والآخر الشر. استمرت هذه الحملة من ١٢٠٩م إلى ١٢٢٩م، وشملت أساليبهم حرق المهرطقين وهم أحياء وكانت الأساليب الأخرى المستعملة متطرفة وشديدة حتى بالنسبة لمقاييس القرون الوسطى. وكانت بناءً على مرسوم من الناطق باسم البابا قيصر هيسترباخ (Caesar of Heisterbach) الذي قال (اذبحوهم كلهم) وقد شملت هذه الحملة أكثر من ١٠ مدن في فرنسا. وتلت هذه الحادثة خسائر بشرية كبيرة والتي وقعت أثناء الحملات الصليبية.

ونتيجةً لكل ذلك فإنّ الإلحاد لم يقف عند العلماء فقط بل حتى الأدباء أعلنوا وفاة فكرة الدين والخالق، ومن أبرز الشعراء في هذه الفترة هو وليم بليك (١٧٥٧ – ١٨٢٧) (William Blake) حيث قال في قصائده إنّ الدين أبعد الإنسان من إنسانيته بفرضه قوانين تعارض طبيعة البشر من ناحية الحرية والسعادة، وأنّ الدين جعل الإنسان يفقد حريته واعتماده على نفسه في تغير واقعه.

وهذا غيضٌ من فيض إن أردنا المرور سريعاً على أسباب انتشار هذه الظاهرة، ومن الأسباب المضافة في مجتمعاتنا هي مشكلة الجهل الذي غرقت فيه أكثر هذه المجتمعات مما أدى إلى تراجعها وتأخرها، فقلة الإطلاع على مفاهيم الدين الأصيلة وترك العمل بقيمه السامية يُعد من الأسباب الجوهرية لتولد هكذا ردة فعل تهدم الدين في نفوس الناس، أضف إلى كل هذا تربص أعداء الدين لاغتنام أبسط الفرص لمهاجمته والنيل منه، الأمور التي أدت إلى حصول فجوة واسعة بين المجتمع والدين.

الأمثلة كثيرة في الإلحاد سواء ما روي من مواقف للرسول وأهل بيته عليه وعليهم السلام أو ما طرح من أفكار ورؤى حديثة، والخوض في غمارها ومناقشتها يحتاج إلى أجزاء عدة لا يسع هذه السطور القلائل إحتواءها أسأل من الله أن يوفقنا لذلك.

فهناك وصف للخالق ورد على لسان أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام وهو يذكر ثماني صفات للحق تعالى بقوله: «وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَه، الأَوَلُ لا شَيءَ قَبْلَه، وَالآخِرُ لا غايةَ لَه، لا تَقَعُ الأوهامُ لَهُ على صِفَة، ولا تُعقَدُ القُلوبُ مِنهُ على كَيفية، وَلا تَنالهُ التَجزِئَةُ وَالتَبعيض، وَلا تُحيطُ بِهِ الأبصارُ وَالقُلوب».[نهج البلاغة:١/١٢١]

شاهد أيضاً

مجلة الوارث - العدد 100

تضاعف درجات المؤمنين بولاية أهل البيت عليهم السلام

*حسين نجيب محمد رُوي أنّ الإمام الحسين عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *