تضاعف درجات المؤمنين بولاية أهل البيت عليهم السلام

مجلة الوارث - العدد 100*حسين نجيب محمد

رُوي أنّ الإمام الحسين عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً فقال: «الْحَمْدُ للهِ وَما شاءَ اللهُ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلاَدَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلاَفِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَخُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لاَقِيهِ كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَقَطَّعُهَا عُسْلاَنُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلاَءَ فَيَمْلأَنَّ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً، وَأَجْرِبَةً سُغْباً لاً مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلاَئِهِ وَيُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لُحْمَتهُ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ تَقَرّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَيُنَجَّزُ لَهُمْ وَعْدُهُ، مَنْ كَانَ بَاذِلاً فِينَا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ فَإِنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحاً، إِنْ شَاءَ الله».(نزهة الناظر وتنبيه الخواطر:٨٦)

الرّضا خلاف السخط، وله عدّة معانٍ:

أولاً: الاختيار: فيُقال: رضي له هذا العمل أي اختاره له، ومنه قوله تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها}.[البقرة:١٤٤]

أي تختارها.

ثانياً: الحب والقبول: ومنه قوله تعالى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه}.[المائدة:١١٩]

وبناءً على معاني (الرّضا) نريد أن نقف عند كلمة الإمام الحسين عليه السلام، فتارةً نفهم الرّضا بمعنى الأمر المَرْضيّ الذي يتعلّق به الرّضا فيكون المعنى أنّ ما اختاره الله تعالى لنا نختاره، وتارةً نفهم الرّضا نفسه بمعنى المحبّة فيكون المعنى أنّنا نحبّ ما يُحبّ الله تعالى.

ثمّ لابدّ من النظر إلى ما هو المبتدأ والخبر في الجملة فإنّه قد يكون (رضا الله) مبتدأ و(رضانا) خبره، وقد يكون العكس.

كما أنّه لابدّ من توضيح أنّ رضا الإنسان حالة نفسية توجب سرور القلب وانبساطه وميله نحو الآخر وتنمّ عن المحبّة والقبول، ولكن رضا الله تعالى وسخطه ليس حالة نفسية بل هو ثوابه وعقابه، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «…رِضَاهُ ثَوَابُهُ، وَسَخَطُهُ عِقَابُه…».(الكافي الشريف:١/٢٧١)

وبناءً على ما تقدّم يمكن أن نفهم عدّة معانٍ لخطبة الإمام الحسين عليه السلام.

المعنى الأول

أن يكون الرّضا بمعنى الأمر المرضي، ويكون (رضى الله) مبتدأ، فيكون المعنى إنّ الذي يرضاه الله تعالى فنحن نرضاه، ففي زيارة الإمام الصادق عليه السلام يقول: «السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مَنْ رِضَاهُ مِنْ رِضَى الرَّحْمَنِ وَسَخَطُهُ مِنْ سَخَطِ الرَّحْمَن…».(كامل الزيارات:٢١٣)

وهذا المعنى واضح في الأئمة عليهم السلام فقد كان محور حياتهم رضا الله تعالى.

ففي رواية عمّار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجل: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصير* هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصيرٌ بِما يَعْمَلُون}.[آل عمران:١٦٢-١٦٣]

فقال عليه السلام: «الَّذِينَ اتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ هُمُ الأَئِمَّةُ عليهم السلام وَهُمْ وَاللهِ يَا عَمَّارُ دَرَجَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَبِوَلاَيَتِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ إِيَّانَا تُضَاعَفُ أَعْمَالُهُمْ وَيَرْفَعُ اللهُ لَهُمُ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى».(تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة:١٢٩)

ويتجلّى هذا المعنى بوضوح في سيرة الإمام الحسين عليه السلام، من خلال كلماته ومواقفه.

فقد رضي الإمام الحسين عليه السلام بمشيئة الله تعالى باستشهاده وبسبي عياله، بل إنّه عليه السلام كان يعجل لرضى الله تعالى، كما قال تعالى: {…وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى}.[طه:٨٤]

ولسان حاله: «إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتّى ترضى».

«هذي رجالي في رضاك ذبائح».

ولهذا فقد كان عليه السلام النفس {راضِيَةً مَرْضِيَّة}.[الفجر:٢٨]

المعنى الثاني

أن يكون الرّضا بمعنى الأمر المرضي، ويكون رضا الله تعالى خبراً مقدماً، فيكون المعنى: إنّ الذي نرضاه نحن أهل البيت عليهم السلام يرضاه الله تعالى، ومن هذا القبيل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي يَرْضَى اللهُ لِرِضَاهَا وَيَغْضَبُ لِغَضَبِهَا وَهِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِين».(إرشاد القلوب إلى الصواب:٢/٢٣٢)

وهنا يرد سؤال: كيف نرضي الأئمة عليهم السلام لنصل إلى رضا الله تعالى؟

الجواب: هو الاقتداء بهم واتّباعهم في كل أقوالهم وأفعالهم، مهما كلّف الأمر، وكما قال عليه السلام: «…اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رِضَاكَ أَنْ أَضَعَ ظُبَةَ سَيْفِي فِي بَطْنِي ثُمَّ أَنْحَنِيَ عَلَيْهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي لَفَعَلْت…».(وقعة صفين:٣٢٠)

المعنى الثالث

أن يكون المراد بالرّضا المعنى المطابقي، وليس الأمر المرضي فيكون المعنى أنّ رضا الله تعالى هو رضا أهل البيت عليهم السلام، وهذا المعنى صحيح ومطابق للقواعد العقائدية، فإنّ الله تعالى ليس محلاً للحوادث، فما يُنسب إليه من الرّضا والغضب والمحبّة والإرادة وما أشبه يُراد به أنّ الله تعالى يجعل هذه الصفات في نفوس أوليائه، فهم مظهر صفات الله تعالى.(كشف المراد:٢٩٤)

رضا أهل البيت عليهم السلام أولى من رضا غيرهم

أشار الإمام الحسين عليه السلام في كلمته إلى وجوب «رضى آل محمد عليهم السلام» وحرمة إسخاطهم، ولكن (الناس) عموماً كانوا يريدون رضا السّلطان فأسرعوا لحرب الإمام عليه السلام، وكان مصيرهم الشقاء الأبدي، ولذا لمّا بعث ابن زياد بكتاب يأمر فيه الإمام عليه السلام بالنزول على حكم يزيد قال عليه السلام رداً على كتابه: «لاَ أَفْلَحَ قَوْمٌ اشْتَرَوْا مَرْضَاةَ الْمَخْلُوقِ بِسَخَطِ الْخَالِق…».(بحار الأنوار:٤٤/٣٨٣)

الإمام الحسين عليه السلام هو النفس الراضية والمرضية

مجلة الوارث - العدد 100لقد رضي الإمام الحسين عليه السلام بقضاء الله وقدره، ورضي الله تعالى عنه، فكان مصداقاً للآية المباركة: {يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلي في عِبادي (٢٩) وَادْخُلي جَنَّتي}.[الفجر:٢٧-٣٠]

فعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْفَجْرِ فِي فَرَائِضِكُمْ وَنَوَافِلِكُمْ فَإِنَّهَا سُورَةٌ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليهما السلام مَنْ قَرَأَهَا كَانَ مَعَ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي دَرَجَتِهِ مِنَ الْجَنَّةِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم».(ثواب الأعمال وعقاب الأعمال:١٢٣)

وعنه عليه السلام أيضاً قال: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْفَجْرِ فِي فَرَائِضِكُمْ وَنَوَافِلِكُمْ فَإِنَّهَا سُورَةُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليهما السلام وَارْغَبُوا فِيهَا رَحِمَكُمُ اللهُ»، فَقَالَ لَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَكَانَ حَاضِرَ الْمَجْلِسِ: كَيْفَ صَارَتْ هَذِهِ السُورَةُ لِلْحُسَيْنِ خَاصَّةً؟ فَقَالَ عليه السلام: «أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} إِنَّمَا يَعْنِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ عليهما السلام فَهُوَ ذُو النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ الرَّاضِيَةِ الْمَرْضِيَّةِ وَأَصْحَابُهُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله الرَّاضُونَ عَنِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ وَهَذِهِ السّورَةُ فِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَشِيعَتِهِ وَشِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً مَنْ أَدْمَنَ قِرَاءَةَ الْفَجْرَ كَانَ مَعَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم».(تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة:٧٧٠)

وبيان ذلك:

إنّ قوله تعالى {يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} دليلٌ على وصول النفس المطمئنة إلى درجة عالية بحيث تستحق أن يخاطبها الرّبّ مباشرة من دون أي واسطة، وهذا الخطاب الخاص لا يكون إلاّ للأوحدي من الناس، وهذا الخطاب متحقق عند الاحتضار، وفي يوم القيامة، كما يقول السيّد الطباطبائي: (خطاب ظرفه جميع يوم القيامة من لدن إحيائها إلى استقرارها في الجنّة، بل من حين نزول الموت إلى دخول جنّة الخلد).(الميزان في تفسير القرآن:٢/٢٨٥)

قوله تعالى: {ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً}، يوحي على أنّ النفس بعد أن كانت في عالم الدّنيا، ثمّ ارتقت واطمأنّت ورضيت عن الله تعالى، ها هي تعود إليه، ولكن كيف؟

فهي راضية عن الله تعالى، والله راضٍ عنها.

وقوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} يعني بعبادي هنا غير العباد الذين يعملون عملاً، وهم العباد المصطفون من بين الخلائق الذين تحقّقت فيهم صفة العبودية بأكمل معانيها، بل هناك عباد خاصّون أي خواص الخواص، وهم أهل البيت عليهم السلام الأربعة عشر.

والجنة الخاصّة أيضاً، فهناك (جنّتان) و(جنّات)، وأمّا هنا فـ(جنّتي) وهي خاصّة للخواص، وهي جنّة (الرّضوان).

توضيح

بعد هذا البيان نقول:

إنّ الإمام الحسين عليه السلام هو أبرز مصداق للنفس المطمئنة، فقد كان عليه السلام يعيش وسط أجواء الغضب، والحيرة، والخوف، ومع ذلك كان ثابت النفس، مطمئناً، قوياً، راضياً، بلا تزلزل ولا ضعف ولا اضطراب، كما يقول العقّاد: (ملك جأشه، وكل شيء حوله يوهن الجأش)، فصحّ أن يقال: إنّه المصداق البارز للنفس المطمئنة، ولذلك استحق أن يُنادى من قبل الله تعالى مباشرة بهذا النداء، وقد وردت الروايات الشريفة أنّ الله يتوفّى روح الشهيد بلا واسطة، فكيف بسيّد الشهداء عليه السلام؟ وهو الرجوع إليه تعالى راضياً بما أعدّ الله تعالى له من الجزاء والثواب، ومرضياً.

وأمّا كيف صار مرضيّاً؟

فالجواب: إنّ الإنسان قد يعمل الأعمال التي ترضي الله تعالى، كما قال تعالى: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا}.[طه:١٠٩]

وهذه درجة عامّة، ولكنّه إذا ترقّى فإنّ ذاته تصبح مرآة لرضى الله تعالى، فلا يرضى إلاّ بما يرضاه الله، كما أنّ رضى الله تعالى يتحقّق به، وبالتالي يكون هو عين الرّضا، وهذا أعلى مقام للإنسان، وبه ينال الفوز العظيم، كما قال تعالى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ…ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}.[المائدة:١١٩]

وهذا ما تحقّق في الإمام الحسين عليه السلام، فقد رضي الإمام عليه السلام لما أعطاه الله تعالى بعد مماته، وقد عوّضه الله بأمور خاصّة في الدنيا، فرفع ذكره، وبقي نسله، وجعل الأئمة من ذرّيته، واستجاب الدّعاء تحت قبّته، كما في الروايات.

فعَنْ كَرَّامِ بْنِ عَمْرٍو الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ يَقُولاَنِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى عَوَّضَ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ قَتْلِهِ أَنْ جَعَلَ الإِمَامَةَ فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَالشِّفَاءَ فِي تُرْبَتِهِ، وَإِجَابَةَ الدُعَاءِ عِنْدَ قَبْرِهِ…».(أمالي الطوسي:٣١٧)

وأمّا في الآخرة فله مقامات خاصّة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام.

شاهد أيضاً

ظاهرة تفشي الإلحاد في المجتمعات الإسلامية الأسباب والعلاج

*شعبة الدراسات والبحوث الإسلامية/ عن مصادر بتصرف الإلحاد وأسبابه إنّ تعنّت الملحدين قبال الأديان وخصوصاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *