المظلومية والانتصار

مجلة الوارث - العدد 102*الشيخ اسكندر الجعفري

قد لا تكون المظلومية دائماً سبباً للانتصار، لانَّ المظلوم أحياناً يسهم في صناعة الظالم، فيكون شريكه في الظلم والطغيان، وذلك عندما لا يحرّك ساكناً، ولا يبدي ردة فعلٍ تجاه ما يراه من مظاهر الظلم والاضطهاد والاعتداء والتجاوز على الحقوق الشخصية أو النوعية, فالذي يسلّم عنقه للجلّاد يسهم في قتل نفسه، ويسهّل على الجلّاد المهمة، بينما الذي يُمانع ويُدافع يصعّب على الجلّاد المهمة، ويجعله يفكّر بجد في كيفية قتله.

ومن هنا نجد القرآن الكريم عندما يتحدث عن هذا الصنف من المظلومين يصفه بالظالم، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.[سبأ:٣١-٣٣]

فهذه الآيات تتحدث عن المستضعفين والمستكبرين وتصفهم بالظالمين، مع أنَّ المستضعفين مغلوب على أمرهم، وقد وقعوا تحت تأثير المستكبرين، وما ذاك إلاّ لأنّهم كانوا يعيشون حالة الضعف والاستسلام أمام المستكبرين.

والآيات تشير إلى ظاهرة خطيرة يمكن أن تعيشها الأمّة، وهي عندما يتحوّل السكوت والضعف والاستسلام إلى ثقافة فيما بعد, بحيث يكون الخروج عن ذلك مخالفةً صارخة للمألوف والمعروف، ويكون نشازاً، ومن هنا نجد أنَّ الحكومة الأموية سعت بشكل كبير إلى تأطير هذه الحالة، حالة السكوت والاستسلام التي كانت تعيشها الأمّة، بأطر إسلامية من قبيل حرمة الخروج على الحاكم الجائر.

وقد نجحت إلى حدٍّ كبير، لولا النهضة الحسينية التي قَلَبَت كلَّ الموازين، ولهذا نجد في الإحاديث الحثَّ الأكيد على مخالفة الظالمين وتسجيل موقف الإدانة والشجب، وضرورة الخروج عن صفة الاستسلام والضعف، فمن ذلك ما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».[مجموعة ورام:٢/١٢]

والسلطان الجائر يشمل السلطان المسلم وغير المسلم، ولنا أن نتساءل، كيف يكون ذلك من أفضل الجهاد؟

والجواب: إنَّ ترك السلطان الجائر يعبث في الأرض فساداً دون رادع لاسيما إذا كان مسلماً يشكّل خطراً كبيراً على مستقبل الإسلام، لأنّه يحكم باسم الإسلام, يقتل، ويضطهد، وينتهك، ويشرّع، ويفعل كل شيء باسم الدين، والناس على دين ملوكهم، فيتحول ذلك – تدريجياً – إلى جزء من الثقافة الإسلامية.

وورد عن الإمام الحسين عليه السلام قوله: «أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله قَدْ قَالَ فِي حَيَاتِهِ: مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلًّا لِحُرُمِ اللهِ، نَاكِثاً لِعَهْدِ اللهِ، مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، ثُمَّ لَمْ يُغَيِّرْ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ كَانَ حَقِيقاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَه»[بحار الأنوار:٤٤/٣٨٢]

وفي هذا الحديث يشير الإمام عليه السلام إلى الحقيقة التي نتحدث عنها، وهي أنَّ المظلوم الساكت يشارك الظالم في ظلمه وجوره، لأنّه لم يغيّر عليه بقولٍ ولا فعل، ومن ثَمَّ يتحوّل هذا المظلوم إلى ظالم، على حدِّ تعبير الآية المتقدمة.

ويمكننا أن نقول بشكل صريح: إنَّ السكوت عن جور السلطان والاستسلام له, من أعظم الفتن التي تعصف بالمجتمع الإسلامي، لأنّه لا يُري الناس إلاّ ما يريد هو أن يروه، ولا يسمح لهم بالاعتقاد إلاّ وفق ما يعتقد هو, قال الله تعالى حكاية عن فرعون: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.[غافر:٢٩]

ومن هنا جاء قوله تعالى وهو يتحدث عن الغاية من الجهاد, أو إحدى غاياته: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ}.[الأنفال:٣٩]

فليست الغاية قتل المفسدين بالضرورة، وإنّما المهم قتالهم، فإنَّ الهدف الأصلي للجهاد الإسلامي ليس الانتصار على الأعداء كأشخاص بل انتصار الغايات والأهداف حتى مع بقاء أشخاص الأعداء ويتحقق ذلك بتوجيه أفكار عموم الناس ضد هؤلاء المفسدين.

إذاً الغاية قتل الفتنة والحيلولة دون ضلال الناس وانحرافهم، وليس المهم قتل رموز الفتنة وقادتها، إذ بعد القضاء على الفتنة لا يبقى لأصحابها أيُّ دور في إذكائها.

ومن خلال ما تقدم كله اتضح؛ أنَّ المظلومية المهزومة لا يمكن أن تنتصر، لأنّها تعيش روح الاستسلام والضعف والذل، وهذه المظلومية ليست محلّ كلامنا وبحثنا، لأنّها لو وُضعت في إحدى كفتي الصراع بين الحق والباطل لكانت في كفة الباطل ضد الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

وكلامنا في المظلومية الثورية التي لا تعرف الاستسلام، الداعية إلى الانتصاف من الظالم، التي لا تتجرّع الذُل أبداً، لأنّها تعيش روح الإباء والعزة والكرامة، تلك هي مظلومية الإمام الحسين عليه السلام التي لطالما تغنى بها أبطال العالم وأحرارهم وهم يعيشون الصراع ضد الباطل، ويخوضون الحروب ضد الأعداء.

والحقيقة أنَّ الإمام الحسين عليه السلام قد أسس لانتصارٍ من نوعٍ فريد لم يكن من المتوقّع، إذ لم يكن ليُتصوّر أن ينتصر المقتول على القاتل، أو ينهزم الحاكم الظالم الطاغي على يد ثائر لا يملك من سلاح سوى هذه الكلمة: «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرٌّ فرار العبيد».

شاهد أيضاً

لقد زرت مثوى الطهر

*أبي طالب الجعفري لقدْ زرتُ مثوى الطٌّهرِ في أرضِ كربلا—فدتْ نفسي المقتولَ عطشانَ صاديا ففي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *