دليل قرآني عن طول عمر الإمام المهدي عجل الله فرجه

مجلة الوارث - العدد 102*علي الشرع

من المسائل الجدلية التي تسجل حضوراً قوياً في الساحة العلمية للنقاش على مستوى الباحثين والمفكرين بشأن الإمام المهدي عليه السلام هو ما يُطرح من وجود شخص مخلّص ولد قبل ألف ومئة سنة تقريباً، ولا يزال حياً إلى الآن، وسيبقى حياً إلى أن يظهر ويخرج فيحقق العدل والسلام في الأرض بإقامة الدولة الإلهية الكاملة العادلة.

ولكن هذا الطرح يواجه عدم قبول أكثر الناس بل أغلب المذاهب الإسلامية ترفض هذه الفكرة على الأقل من الناحية العملية وليس الخوف المذهبي منها.

فمن الناحية العملية قد يتعسر على المنكرين لمسألة طول عمر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تصور إمكانية العيش لفترة زمنية طويلة.

على الرغم من وجود مثالين واضحين في القرآن الكريم عن وجود حالات كهذه عاشت في العصور السالفة؛ أحدهما امتداد عمر النبي نوح على نبيّنا وآله وعليه السلام لفترة زمنية طويلة، والآخر لا زلنا نعيشه نحن الآن وهو طول عمر النبي عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام الذي يعتقد جميع المسلمين أنّه حيّ، وإنْ كانت حياته ليست على وجه الأرض – كما هو حال الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف – وأنّه سيهبط إلى الأرض كما يقول القرآن، وبالتزامن مع ظهور الإمام الثاني عشر عليه السلام كما جاء في الروايات المستفيضة والمتواترة.

فقضية طول عمر الإمام الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام هذه يمكن الإقرار بها ببساطة، في حال الإذعان إلى حقيقة كون الإمام المهدي عليه السلام هو وصيّ من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو خليفة الله في أرضه وإنّ الله تعالى ادّخره لأمر اقتضت المصلحة أن يكون غائباً حتى يأذن في خروجه.

فإذا أردنا قياس وجود الإمام المهدي عليه السلام بمعايير بشرية سطحية، فإنّ طول العمر لشخص عادي غير المهدي عليه السلام يصعب قبوله.

والمشكلة الأكثر من هذا أنّ المثال القرآني عن طول عمر النبي نوح عليه السلام سيفقد صلاحيته كدليل في حال تجاوز عمر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف المدة الزمنية التي قضاها نوح على نبينا وآله وعليه السلام.

أمّا طول عمر عيسى على نبينا وآله وعليه السلام فلا يكون مقنعاً لمن يرفض قبول الإمام المهدي (عج) كولي من أولياء الله تعالى حاله حال الأنبياء عليهم السلام.

ومن هنا اقتضت الحاجة إلى البحث عن دليل قرآني لا يمكن ردّه أو التشكيك به.

ونحن نبحث عن دليل يدعم قضية طول العمر وليست أمثلة نستند عليها وقد تنتهي صلاحيتها في لحظة زمنية معينة.

والدليل كما معلوم أقوى من أيّ مثال وأكثر صلاحية للبقاء منه وبذا نتحرر من قيد الفترة الزمنية لطول عمر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف التي كبلتنا بها الأمثلة.

والدليل الذي سنذكره وإنْ كان لا يتعلق بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بالخصوص ولكنّه سوف يدعم طول عمر الإمام المهدي عليه السلام، وبذا يتبدد أي شك يتسرب إلى ذهن أحد عن إنكار طول عمر الإمام الثاني عشر عليه السلام حتى وإنْ لم نأخذ بنظر الاعتبار أنّه وصيّ وطول عمره أمر طبيعي كونه يتعلق بإرادة إلهية.

والدليل القرآني قوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ}.[العنكبوت:٥٧]

ففي هذه الآية يؤكد القرآن الكريم أنّ المخلوقات من غير الجماد سواء كانت من البشر أم من غير البشر مهما طال عمرها سوف تموت بالنهاية.

ومقابل هذا التأكيد على النهاية الحتمية للإنسان عند نقطة زمنية معينة، فإنّ القرآن ترك الإشارة إلى تحديد الحد الأقصى لعمر الإنسان بزمن معيّن ليجعل النّهاية مفتوحة إلى لحظة الموت المحدّدة في علم الله تعالى.

فالقرآن الكريم نظر إلى النهاية المحتومة فقط، غير أنّ هذا السّير إلى هذه النّهاية قد يطول أو يقصر، بحسب الإرادة الإلهية لكن ليس بشكل لا نهائي.

وإنّ قوله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} يشمل الجميع؛ سواء كان الإمام المعصوم عليه السلام أو من دونه من البشر.

فإذا طال عمر الإنسان أكثر من المألوف فلا يكون ذلك غريباً على الإطلاق حتى وإنْ كان ذلك مستغرباً من الناحية الطبّية كون الخلايا المخلوقة في جسد الإنسان تستهلك شيئاً فشيئاً بسبب العوامل الخارجية بالإضافة إلى التقدم في العمر، وقد تضعف قوة الخلايا في الإنسان، فيؤدّي هذا الضعف إلى بعض الحالات الخاصة وبالنتيجة يتوقف عمر الإنسان ويموت بموت الخلايا المهمة والحيّة في جسده.

فالدليل الطبي ليس قانوناً عاماً ليس فيه استثناءات، فلكل قاعدة استثناء، ولمّا كان العلم لم يتطوّر إلى اليقين الحتمي، وذلك بسبب القصور في البشر، فالقوانين الطبّية أيضاً هي قاعدة ظنية وليست يقينية، لأنّ مع تقدّم العلم تتغيّر القوانين كثيراً.

وهذا الدليل ليس القصد منه إفحام المخالف لفكرة طول عمر الإمام المهدي عليه السلام عبر توصيل فكرة بديهية غير قابلة للجدل من أجل ردعه؛ بل هو دليل واضح قد يضع حداً للجدل بخصوص طول عمر الإمام عليه السلام.

ومن جانب إمكانية حدوث ذلك يمكننا كمؤمنين البحث في النصوص القرآنية والروايات المستفيضة، وليس البحث والتنقيب في العلوم الحديثة التي هي ليست يقينية، بل هي فرضيات أو نظريات.

وقد أعطانا القرآن الكريمة جواباً واضحاً، وشافياً، ووافياً، وكافياً في قوله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} فمن ثم، لا حاجة بعد ذلك إلى إيراد أمثلة ما دام النّص القرآني موجوداً ولا خلاف عليه.

وأخيراً أودّ القول إنّ هذه الآية بل كلّ آية تتضمن معنى النّهاية تصلح في حقيقة الأمر كدليل على المطلوب وهو طول عمر الإمام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ والسبب هو فقدان أيّ إشارة قرآنية مضادّة تضع الحدود الزمنية للوصول إلى هذه النهاية وهو (طول عمر الإنسان).

شاهد أيضاً

لقد زرت مثوى الطهر

*أبي طالب الجعفري لقدْ زرتُ مثوى الطٌّهرِ في أرضِ كربلا—فدتْ نفسي المقتولَ عطشانَ صاديا ففي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *