السريانية بين القرآن والوحي

مجلة الوارث - العدد 102*إيزابيل بنيامين ماما آشوري

بعد أن عجزوا عن الإساءة إليه أو إضعافه فنسبوا له كل قبيحة ولكنهم لم يفلحوا في النيل منه ولا يزال يتحدى الجن والإنس أن يأتوا بمثله ولكنهم عاجزون ولو اجتمع بعضهم لبعض ظهيراً، وبين مدّة وأخرى يظهر لنا خبراء التزوير من عرب المسيحية واليهودية والعلمانية والإلحادية بفنون من التقليعات وهذه المرّة زعموا أنّ القرآن كان سريانياً لم يكتبه النبي بالعربي لأنّ النبي والوحي ولربما الرب أيضاً لا يعرفون العربية وإنّما يتكلمون بالسريانية فوضعوا مخطوطات لتدعيم فريتهم ولكنهم أيضاً خابوا هذه المرة.(تفسير ابن أبي حاتم:٩/١٥).

فعن سفيان الثوري، قال: لم ينزل وحي على الأنبياء إلا بالعربية، ثم يترجم كل نبي لقومه بالسريانية، قَالَ: ولسان يوم القيامة السريانية، ومن دخل الجنة تكلم العربية.

لم يعر العرب وزناً للسريانية فقد كانوا يرونها لغة الأموات كما أشار بعض الفقهاء المسلمين إلى أنّ السريانية هي لغة أهل القبور أمثال الحافظ السيوطي وعلم الدين البلقيني الذي فسّر سبب ذلك بكون السريانية لغة الأرواح والملائكة، في حين يشير ابن حاتم وابن شيبة أن السريانية هي لغة يوم القيامة على أن يتكلم داخلو الجنة لاحقًا العربية، غير أن بعض الفقهاء كابن حنبل رأوا أنّ السريانية كانت لغة النبي آدم والنبي نوح.

وقد جاء في الجزء الثامن من كتاب العلل ومعرفة الرجال (٥٨٢٢) للإمام أحمد بن حنبل مثل ذلك أيضاً.

سؤال الإخوة من مصر ولبنان يقولون فيه: (ظهرت في الفترة الأخيرة مزاعم تقول إنّ القرآن كُتب باللغة السريانية ولم يكن عربياً) ثم وضعوا دليلاً على ذلك سورة الفاتحة كمخطوطة قديمة مكتوبة بالسريانية أو أنّها مقتبسة من كتاب آخر بالسريانية.

وأقول لهم إنّ الشيء الذي لا تعرفونه هو أنّ في المسيحية ورشات عمل كاملة مجهزة بلوازم التحريف والتزوير والمماثلة والتقليد كافة لصنع مخطوطات وصور وفبركة أخبار وقصص واختراع أساطير ورميها على من يُريدون الإساءة إليه أو إسقاطه.

إضافة إلى إذاعات وفضائيات ينفقون عليها الملايين يجلس فيها أشخاص تافهون أمثال: رشيد المغربي، ووحيد في قناة الحياة وزكريا بطرس وغيرهم ممن يستخدمون الأكاذيب والتزوير والدس والتدليس وهم أجهل من حمير ولكنهم مع الأسف يستدعون في برامجهم شيوخاً ورجال الدين مسلمين ليس لديهم ثقافة دينية واسعة ولا أريد ذكر أسمائهم ولكنهم في لقائهم مع رشيد المغربي أو وحيد ظهروا بشكل يُرثى لهم حيث أوقع بهم هؤلاء الخبثاء وأحرجوهم.

من الناحية التاريخية فإنّ اللغة العربية هي أول اللغات التي نطق بها الإنسان ومنها تفرعت سائر اللغات.

فقد جاء في تفسير القرطبي (أنّ أوّل من تكلم العربية آدم).(تفسير القرطبي:١/٢٨٣).

وهذا يعني أنّها لغة الجنة التي نزل بها آدم معه.

وأمّا على مستوى الكتاب المقدس فإنّ العربية كانت معروفة منذ زمن إبراهيم حيث وردت نصوص بأنّ زوجة النبي إبراهيم هاجر أمّ إسماعيل كانت من العربية كما نقرأ: (فإنّه مكتوب أنّه كان لإبراهيم ابنان، واحد من الجارية والآخر من الحرة، لأنّ هاجر في العربية).(رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ٤: ٢٢)

ومن هنا تؤكد الروايات بأنّ إسماعيل أوّل من نطق بالعربية وكذلك فإنّ الإنجيل يؤكّد بأنّ الأنبياء كانوا يتكلمون العربية وأوّل ما يُبعثون كانوا يذهبون إلى (العربية) كما نقرأ ذلك في رسالة بولس الذي يقول: (بل انطلقت إلى العربية).(رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية ١: ١٧)

أي بعد رؤيته للمسيح كما يزعم يقول انطلقت إلى المنطقة العربية كما فعل الأنبياء قبله.

مفسّرو المسيحية قالوا في شرح معنى (العربية) التي انطلق إليها بولس: (ذهب بولس للعربية: العربية هي شرق بلاد الشام ليتزود بالروح ويسمع صوت الروح، يعلِّمه كنوزًا، قبل أن ينطلق للتبليغ، وغالبًا فهو قام بالتبليغ هناك، وكانت كرازته عظيمة بدليل غضب الحارث والي دمشق عليه. ولكنه لتواضعه لم يحكِ لنا عن نجاحاته في العربية).(شرح الكتاب المقدس، العهد الجديد، القس أنطونيوس فكري تفسير رسالة غلاطية)

مجلة الوارث - العدد 102إذن من كلّ ذلك نفهم أنّ العربية كانت شائعة ومعروفة قبل ظهور الإسلام وكما هو معروف أيضاً فإنّ القرآن نزل بلسان عربي ونزل على شكل محطات على يد الوحي).(سنن الترمذي:٢/١١٩)

أمّا المتخرص الباحث السعودي (لؤي الشريف) الذي أشاع أنّ السريانية هي لغة القرآن والديل على ذلك الحروف المقطعة، فقد أثبت جهلاً فاضحاً ولو اكتفى بشرب أبوال الإبل لكان فيه الكفاية.

وأمّا الذي أطلق على نفسه الباحث (أ.غابرييل صوما).

فهذا مسيحي يُسعده أن يطلق التشكيكات حول القرآن وهذا دأبهم فلا يؤخذ بكلامه لأنّه عجز عن تقديم الدليل عليه وافتضح أمام الملأ.

وقد اعتمد هؤلاء المشككون على أقوال المستشرقين الحاقدين على كل الأديان فمنهم انطلقت شبهة السريانية.

والغريب أنّه ومنذ ألف وأربعمائة سنة لم يتم العثور على أي نسخة للقرآن بلغة سريانية.

وأمّا ما يتم نشره حول سورة الفاتحة وغيرها من أنّها بالخط الآرامي أو السرياني فهذا كذب تم انتحاله ورسمه على شكل مخطوط وهذه الطريقة معروفة عندنا عن طريق مسح بعض المخطوطات القديمة للاستفادة من ورقها القديم في تزييف أيّ نص للإساءة إليه.

والأغرب من كل ذلك مالنا نرى كل رسائل النبي محمد إلى روما، وفارس والحبشة والأقباط كلها مكتوبة باللغة العربية؟ أين ذهبت السريانية أو الآرامية أو العبرية؟ ومالنا نرى نقش كل خواتيم الصحابة باللغة العربية؟ لا بل مالنا رأينا أن صحيفة مقاطعة قريش التي تم تعليقها على الكعبة والتي حاصروا فيها النبي في شعب أبي طالب قاموا بكتابتها بالعربية ولما اكلتها الأرضة لم يبق منها سوى (بسمك اللهم).

وهذه المعلقات السبع التي هي أقدم من الإسلام تشهد على أنّ العربية هي السائدة هناك فقد تم كتابتها باللغة العربية.

ويكفي أن القرآن المقدس يشهد على نفسه قائلاً: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}.

وعندما اتهمته قريش بأنّ الذي يُعلمه هو غلامه القبطي (السرياني) قال الرب نافياً ذلك: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}.

شاهد أيضاً

لقد زرت مثوى الطهر

*أبي طالب الجعفري لقدْ زرتُ مثوى الطٌّهرِ في أرضِ كربلا—فدتْ نفسي المقتولَ عطشانَ صاديا ففي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *