البحث في فهارس مكتبة العتبة الحسينية المقدسة من الكتب والمجلات والرسائل الجامعية:

والسماء ذات الحبك

*السيد كاظم الحسيني

روى علي بن إبراهيم عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قـال: (قلت له: أخبرني عن قول الله عز وجل {وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ}[الذاريات:7]، فقال عليه السلام: «هي محبوكة إلى الأرض» وشبك بين أصابعه، فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله تعالى يقول {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ}؟ فقال عليه السلام: «سبحان الله أليس الله يقول {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}»[الرعد:2-1]، فقلت: بلى، فقال عليه السلام: «ثَمّ عمد ولكن لا ترونها»، قلت: كيف ذلك جعلني الله فداك؟ فبسط كفّه اليسرى ثم وضع اليمنى عليها فقال عليه السلام: «هذه أرض الدنيا والسماء الدنيا عليها فوقها قبّة، والأرض الثانية فوق السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبّة، والأرض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبّة، والأرض الرابعة فوق السماء الثالثة والسماء الرابعة فوقها قبة، والأرض الخامسة فوق السماء الرابعة والسماء الخامسة فوقها قبة، والأرض السادسة فوق السماء الخامسة والسماء السادسة فوقها قبة، والأرض السابعة فوق السماء السادسة والسماء السابعة فوقها قبّة، وعرش الرحمن تبارك الله فوق السماء السابعة وهو قول الله تعالى {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ}[الطلاق:12]، فأمّا صاحب الأمر فهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والوصي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم هو على وجه الأرض فإنّما يتنزّل الأمر إليه من فوق السماء من بين السموات والأرضين»، قلت: فما تحتـنا إلاّ أرض واحدة، فقال عليه السلام: «ما تحتنا إلا أرض واحدة»).[تفسير القمي:2/329] وأمّا مقدار السموات وسعتها ومركز جرمها ووزنها وسعة دائرتها وأبعادها فهي مذكورة في كتب القوم فليراجع إليها إذ ليس في ذكرها هنا لنا مزيد فائدة إذ لسنا بصدد ذكر أقوال العلماء فما هو منسوب إليهم موكول إلى كتبهم.
قوله عليه السلام: «خلق السموات بلا دعائم» يريد به دعامة غير ذاتها عرضية لها كما في دعامته حيث لا يستقر بدونها وهو كذلك، فإنّ هذه الحاجة من جهة ضعف البنية وخلطها مع طبيعة غيرها فإذا أرادوا رفعها إلى مرتبة بسائطها لا يمكن إلاّ بدعامة ارتباطها إلى الجهة الأخرى، ألا ترى الجماد من المركبات فإنّه لا يمكن رفعها وتصعيدها إلاّ بأسطوانة رابطة بين الجهتين جهة العلو من جهة الهواء والنار؛ وجهة السفل من جهة التراب والماء، هذا إذا كانت الغلبة لأحد الجهتين.
وأما التساوي من جميع الجهات فالأطباء والحكماء على امتناعه لاستلزام عدم المكان، وأمّا نحن فعلى جوازه وإمكانه ووقوعه في الحضرة المحمدية صلى الله عليه وآله كما وصفه الله سبحانه بذلك حيث قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.[القلم:4] ومكانه أيضاً في الوسط وهو رتبة القطبيّة، وخلوص مقام الفقر الذي كان يفتخر به وحدوث الكرة المصمتة الصّحيحة الاستدارة وهذا كمال رتبة العبودية، ولذا لمّا أراد الله سبحانه وصف تـلك الحضرة فحكى عنها بلسانها بقوله عزّ وجلّ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}[الفاتحة:5]، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، ولذا كانت تلك الحضرة المقدسة هي الاسم الأعظم الذي ينجذب إليه كل شيء وينفعل له كل شيء لاعتدال المزاج وبلوغه رتبة السراج الوهّاج.
وأمّا إذا غلبت إحدى الجهتين فالحكم للغالب مكاناً وزماناً ووصفاً وحكماً لكن فيه ملاحظة ارتباط مع الجهة الأخرى، وأمّا إذا خلصت عن الأعراض والغرائب وبلغت رتبة البساطة فهي في مركزها تدور ولا تلتفت ولا تميل ولا ترتبط لشيء أبداً في تقوّمها أصلاً فلا تحتاج إلى الدعامة لقوله عزّ وجلّ {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}.[الصافات:164] فلمّا كانت السموات في كمال بساطتها وشرفها وعلوها وخلوصها عن تدنّس السفليات فهي في مقامها من غير دعامة تسبح الله سبحانه بسبعين ألف لغة كل واحدة لا تشبه الأخرى فأقامها الله سبحانه مقامها وأدارها حول مركزها فهي دائمة الحركة بمدد الله سبحانه إلى جهة إمدادها واستمدادها إلى ما لا نهاية ولها دعائم ذاتيّة وهي أمر الله الذي قام به كل شيء قال سبحانه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ}.[الروم:25] قال عليه السلام: «كل شيء سواك قام بأمرك».(بحار الأنوا:87/148)
وهو العمد التي لا يرونها قال تعالى {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}.[الرعد:2] وتلك العمد هي باب فيض الله من المبدأ إليها أي السموات فتقوم بذلك بمادتها وصورها، وتلك العمد هي العضد والركن، قال في الدعاء «أعضاد وأشهاد».(إقبال الأعمال:2/646)
وقال عزّ وجلّ {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا}.[الكهف:51] فدلت الآية بمفهومها على أنّ الله سبحانه اتخذ الهادين عضداً لخلقه والعضد هو الدعامة، إلاّ أنّ لهذه الدعامة حكماً ذاتياً حقيقياً لا تدرك بالحواس الظاهرة بل ولا الباطنة أيضاً وإنّما تدرك بعين الله سبحانه وطرقه الـذي يرى به نفسه وخلقه قـال تعالى {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}.[الأنعام:122] وذلك النّور هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله «اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله».(المحاسن:1/131)
وذلك النور هو الدعامة نفسها، قال صلى الله عليه وآله: «إنّ الله خلق المؤمن من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأُمّه أُبوه النور وأمّه الرحمة».(1/130)
وهذه الدعامة هي قول الله سبحانه للشخص ألست بربكم فافهم السرّ.

شاهد أيضاً

التوبة عودة الإنسان إلى فطرة الله

التوبة عودة الإنسان إلى فطرة الله

*بقلم: الشيخ حيدر الشمري كثيراً ما أخذت تتوارد عبارة العودة إلى الذات في الكتابات التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *