البحث في فهارس مكتبة العتبة الحسينية المقدسة من الكتب والمجلات والرسائل الجامعية:

موسم الحزن والتحدي

*شعبة الدراسات والبحوث الاسلامية عن مصادره بتصرف

مجلة الوارث

جاء شهر محرم.. موسم الحزن والتحدي، وتوشحت البلاد بالسواد، ورفرفت الأعلام في كل موطن، ودوَت هتافات يا حسين في كل أفق، وهكذا في هذا العام وفي كل عام.

وجاء المعذرون، ووسوسوا، لماذا كل عام؟ ألم يقتل إمامكم في عام واحد، وقبل أكثر من أربعة عشر قرناً.

بلى.. ولكن شهادة السبط كانت من أجل قيم لا تزال تتجدد، ولأهداف لا تزال ثابتة، ومن أجل المحرومين الذي ما زالوا ينتظرون من يدافع عنهم.

    مصباح الهدى

إنّ الحسين عليه السلام مصباح هدى، ومن دون المصباح يسود الظلام؛ وأي يوم يحلو الظلام؟ وأي إنسان يستسيغ الظلام؟

إنّ الإمام الحسين عليه السلام وارث النبيين، وحجة رب العالمين، ومصباح يتّقد بنور الوحي الإلهي، فمن استنار بنور الإمام الحسين عليه السلام فقد استنار بنور الوحي.

إنّ الإمام الحسين عليه السلام حجة الله الكبرى في عرفان الرب، ودعاؤه في وادي عرفات، بعض تجليات عرفانه، بلى إنه القائل: «مَا ذَا وَجَدَ مَنْ‏ فَقَدَكَ‏ وَمَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَك».(إقبال الأعمال:1/349)

وهو حجة الله في بصائر الدين: كلامه نور، وأمره رشد، ووصيته التقوى.

وهو منار الحق في حكمة الحياة، فلا تتخطى سيرته الحكمة قيد شعرة.

ومن لم يعرف الإمام الحسين عليه السلام بهذه الصفة فقد ضل ضلالاً بعيداً.

وإلى ذلك كان السبط الشهيد سفينة نجاة، من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق.

إنّه قدوة المجاهدين في بذل النفس في سبيل الدين أو ليس هو القائل: «أَلاَ وَإِنَ‏ الدَّعِيَ ابْنَ الدَّعِيِ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ السَّلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّة».(اللهوف على قتلى الطفوف:97)

وبكلمة واحدة: الإمام الحسين عليه السلام كما هو مكتوب في ساق العرش، وما كتب هناك فإنه حق حقيق؛ مصباح هدى، وسفينة نجاة؛ فهو حكمة وحماس، عقل وعرفان، وعلم إلى جانب أنه حركة وحيوية وفداء.

ونحن اليوم بحاجة إلى المزيد من قيمتي الحكمة والحماس، كما نحن بحاجة إلى التوازن الدقيق بينهما.

إنّ الإسلام الذي جسّده السبط الشهيد بكل أبعاد حياته هو دين العقل والعلم؛ كما هو دين الجهاد والاجتهاد، وإذا كانت ملاحم النبي وأصحابه، وظلامة ابنته ووصيّه وأولادهم المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام، والتي كانت ذروتها ملحمة عاشوراء، وإذا كانت تضحيات العلماء والمجاهدين عبر تاريخها المديد، إذا كان كل ذلك وقود الحضارة الإسلامية، فإنّ بصيرة هذه الحضارة كانت آيات الوحي الحكيمة، ووصايا النبي وأهل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام، التي فسّرت الذكر وأرست أسس الأمة الرشيدة، فتلك الملاحم تفجّر الطاقات وتلك الحكم توجهها.

وإذا اختل التوازن بينهما فإنّ مصير الحضارة في خطر، ومن ذلك الخطر التمزق الداخلي الذي كان مصير الكثير من الحركات المتطرفة في التاريخ والتي كان مصيرها الدمار بسبب افتقارها إلى الحكمة والرشد.

واليوم ونحن نجدد ذكرى السبط الشهيد وملحمته الإلهية الكبرى، علينا أن نتذكر أن الاهتداء بهداه الرشيد في حسن التدبير ولم الشمل وعزم الأمر وتنظيم العلاقات على أسس إيجابية وتوحيد الكلمة وتسديد الرأي بالتشاور وإتباع أحسن القول والتراحم والتواد والتعاون وبكلمة: الاهتداء بنوره سلام الله عليه المشتق من نور الوحي، إن ذلك من واجب الولاء للإمام الحسين عليه السلام ومن أبعاد تجديد ذكراه.

    التعاون تحت راية الحسين عليه السلام

مجلة الوارث

إنّ الراية التي نشرها الإمام الحسين عليه السلام في أفق الولاية ضمت إليها كل من تشرف بولائه للإسلام وللإمام الحسين عليه السلام، وشعار هذه الراية المجيدة ما يردده المؤمنون وهم يزورون الإمام: « إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ وَوَلِيُّ لِمَنْ وَالاكُمْ وَعَدُوٌّ لِمَنْ عَادَاكُم».(كامل الزيارات:177)

وهكذا فإن ميراث الدم المظلوم في كربلاء، هو هذا المجتمع الولائي الذي يتماسك بحب آل البيت عليهم السلام، ويتعاون أفراده على البر والتقوى، ويصبحون كالبنيان المرصوص يتحدى الأعاصير.

وفي ذروة هذا التجمع، علماء الدين الذين هم ورثة الأنبياء والحجج المنصوبون عن الأئمة الأطهار عليهم السلام.

فمن أجل إرضاء الرب وتعميق الولاء للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وللأئمة الهداة، وللإمام الحسين عليه وعليهم السلام علينا بإصلاح ذات البين إلى درجة التراحم والتشاور والتعاون؛ ولا يكفي مجرد التعارف وعدم الشجار، فإنّ المطلوب شرعاً هو: التعاون الذي أمرنا الله به بكل وضوح، فقال سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.(المائدة:2)

والتعاون لا يمكن إلاّ عبر مؤسسات اجتماعية متينة قائمة على مراسي التقوى والخلق الفاضل والحكمة الرشيدة؛ وهكذا فإنّ على كل واحد منا السعي نحو تنمية المؤسسات الحضارية ذات الصفة الإيمانية، فإنّ التحديات الكبرى التي نواجهها اليوم على مستوى أمتنا المجيدة، وفي كل قطر وكل أفق، لا ولن نستطيع التغلب عليها بالتمنيات الساذجة، وإنما بتحول حضاري شامل، يبدأ بإصلاح الفكر والسلوك والانتماء، وينتهي إلى إصلاح الاقتصاد والسياسة وذلك تجسيداً لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.(الرعد:12)

ومن أبرز مظاهر إصلاح الذات هو إصلاح العلاقات الاجتماعية حتى تصبح أكثر تلاحماً وتنظيماً في البناء، وأقدر على العطاء، وأصلب عند المواجهة، وأشد مراساً لدى التحدي.

    ثقافتنا في ميزان العقل والوحي

إنّ الحق هو الحق، والباطل هو الباطل؛ وميزان معرفتهما هو ذات الميزان الذي وضعه الله للأنام فيما مضى واليوم وإلى الأبد، وعلينا أن نقيس أفكارنا وسلوكنا ومواقفنا بذلك الميزان المتمثل في العقل والوحي، وإنّ عصور التخلف أورثتنا ثقافة الهزيمة والانطواء، ثقافة الوسوسة والتردد، ثقافة العصبية والذاتية.

بينما ميزان العقل والوحي يرفع مثل هذه الثقافة تمام؛ فالعقل يحكم بأن من يزرع الريح يحصد العاصفة، وإن من يعمل حسنا يراه عاجلاً أم آجلاً.

والله سبحانه يقول: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}.(الإسراء:7)

ويقول عزّ وجل: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}.(النجم:39)

ويقول تعالى أيضاً: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.(الزلزلة:7-8)

ويبقى يوم الحسين عليه السلام يوماً خالداً، يستطيع بإذن الله على الاندثار، لأنّه يمثل بصيرة العقل والوحي في مواجهة ثقافة التخلف والانطواء.

وهكذا كان سيد الشهداء مصباح هدى لا ينطفئ، لأنّه ليس فقط بكلماته المضيئة وإنما بعطائه السخي أبطل وساوس الشيطان ورواسب الثقافة الجاهلية وآثارها.

ففي بداية انطلاقة نهضته الإلهية، علّم الأمم أنّ السبيل إلى الحياة الفاضلة يمرّ على قنطرة الشهادة، فقد قال عليه السلام: «خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلاَدَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلاَفِي‏ اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَخُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لاَقِيهِ كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَقَطَّعُهَا عُسْلاَنُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلاءَ فَيَمْلئاَنَّ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً، وَأَجْرِبَةً سُغْباً لاَ مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلاَئِهِ، وَيُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَحْمَةٌ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَيُنَجَّزُ لَهُمْ وَعْدُهُ، مَنْ كَانَ بَاذِلاً فِينَا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ فَإِنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحاً، إِنْ شَاءَ اللهُ».(نزهة الناظر وتنبيه الخواطر:86)

وإذا تجاوز المرء حاجز الخوف من الموت، فقد امتطى صهوة الحياة بكل اقتدار لأنه لا شيء أخوف من الموت؛ ومن هنا فقد أنشد إمامنا سلام الله عليه:

الموت خير من ركوب العار

والعار أولى من دخول النار.

وهكذا جرت في الأمة التي اقتدت بالإمام الحسين عليه السلام وتبصّرت بمصباحه النيّر، جرت بهم روح البطولة التي تحدث بها أعتى الأعاصير.

واليوم حيث أمواج الغزو الثقافي والعسكري تترى على الأمة من كل طرف، فما أحوجنا إلى الشجاعة الرشيدة، والبطولة الحكيمة، لنأوي إلى حصنها المنيع، وندافع عن قيمنا ومصالحنا، ونرد كيد الأعداء إلى نحورهم بإذن الله.

فالإمام الحسين عليه السلام ما زال هو الكهف الحصين، فعلينا أن نأوي إلى بصائر الوحي الذي جسّده عليه السلام، حتى نوحّد صفوفنا تحت رايته، ونبني مجتمعنا الرصين في ذرى هداه، ونواجه التحديات في ظل الشجاعة التي أورثنا إياها في ملحمة الطف.

شاهد أيضاً

المظلومية والانتصار

*الشيخ إسكندر الجعفري قد لا تكون المظلومية دائماً سبباً للانتصار، لانَّ المظلوم أحياناً يسهم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *