البحث في فهارس مكتبة العتبة الحسينية المقدسة من الكتب والمجلات والرسائل الجامعية:

السرّ في عاشوراء بين العلم والجهل

*شعيب العاملي

مجلة الوارث

زلزال في نواميس الطبيعة.. هذا ما نعتقد أنه جرى في يوم عاشوراء، حيث اقشعرت أظلة العرش وبكت السماوات والأرض! وهيّجت عاشوراء الحرارة في قلوب المؤمنين، ولا تزال تنقلهم إلى عالم الألم والحزن والبكاء.

ولطالما حاولنا فهم اليسير مما جرى في ذلك اليوم الرهيب.. يوم الحسين.. يوم عاشوراء.. يوم الكآبة والحزن عند المعصومين، يوم الكرب والبلاء.. لأننا نؤمن بأنّ العلم والفهم خيرٌ محض.. ولأنّ الحبّ المقرون بالمعرفة أسمى وأشرف وأرفع.

فقطعنا أشواطاً في فهم ما بلغنا عن مفردات عاشوراء.. وغصنا في قراءات تحليلية لكل محور من محاورها.. وتمعّننا في الظروف الموضوعية لتلك الأحداث.. ونشرنا ذلك في كتاباتنا.. ونطق به علماؤنا ولهج به خطباؤنا وحفظه عامتنا عن ظهر قلب.. ولا ينازعنّ عاقل في رجحان ذلك، فإنّ فيه تشجيعاً على التعقّل والتفهم والتدبر والمعرفة.

لكنه لم يغب عنّا يوماً أنّ فهمنا هذا إنّما هو فهم إنساني بحسبنا، يتناسب مع مستوى إدراكنا، دون أن نبلغ حقائق الأمور التي لا يدركها إلا المعصوم عليه السلام!

وقراءة فعل المعصوم بحسب المعطيات والظروف الموضوعية وإن كان يتناسب مع تعامل الشريعة بحسب الظواهر بلا شك، لكنه لا يُظهر لنا ملاك تصرف المعصوم ولا يكشف لنا أسرار وأبعاد فعله بالكامل فهذا مما لا سبيل لإدراك شيء منه إلا بتوسط المعصوم نفسه.

فإنّ الناس يُفَرِّقون بين إدراك بعض المصالح من أي عمل، وبين الداعي والدافع لهذا العمل والذي لا يعرفه إلا الله تعالى العالم المحيط بالأمور أو من أطلعه الله عليه.

ونعتقد بأن الطريق الوحيد لمعرفة (علّة) الحكم الشرعي الثابت والإحاطة بكل جهاته تنحصر بنصّ المعصوم على ذلك.. وإن تَلَمَّسنا بعض الحِكَم والآثار لأي حكم شرعي وأدركوا توافقه مع الفطرة البشرية والحاجة الإنسانية على مر العصور.

وإذا كان ما ثبت بالنص هذا حاله، ففعل المعصوم (والفعل صامت) أولى بعدم الإحاطة بأبعاده ما لم يخبر بها الإمام.

وإذا كانت هذه القرون تتوالى، ويغوص أساطين المذهب وكبار علمائه في روايات آل محمد ليستخرجوا درراً من الجمع بين (ظواهر) النصوص، والتنبه إلى (بعض إشاراتها)، فإنهم يقفون عند هذه الظواهر ولا يزعمون أنهم أحاطوا بحقائق الأحكام وعللها.. إنما بما يعذرنا أمام الله تعالى في امتثال أوامره عز وجل.

ولقد تظافر النقل في ذلك، فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصادق عليه السلام قَالَ: «إِنَّا لَنَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ بِهَا سَبْعُونَ وَجْهاً لَنَا مِنْ كُلِّهَا الْمَخْرَجُ».(بصائر الدرجات ج١ ص٣٢٩).

وقد روي عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ وَأَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قَالَ لي أَبُو عَبْدِ اللهِ الصادق عليه السلام: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ عِنْدَنَا وَاللهِ سِرّاً مِنْ سِرِّ اللهِ وَعِلْماً مِنْ عِلْمِ اللهِ وَاللهِ مَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبِيٌ مُرْسَلٌ وَلاَ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ للإِيمَانِ وَاللهِ مَا كَلَّفَ اللهُ ذَلِكَ أَحَداً غَيْرَنَا وَلاَ اسْتَعْبَدَ بِذَلِكَ أَحَداً غَيْرَنَا…».(الكافي الشريف:١/٤٠٢،ح٥)

مجلة الوارث

أشار عليه السلام إلى صنفٍ أسمى من علومهم التي خصهم الله تعالى بها دون خلقه حتى ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين، وتعبير الإمام بالتكليف والعبادة (كلف.. استعبد) لا يعني ارتباطها بالأحكام الشرعية للخلق فتلك مما أمروا بتبليغه، إنّما هي علوم وتكاليف وعبادات خاصة بينهم وبين ربّهم عزّ وجل تتناسب ومقامهم الشريف الذي لا يطمح له طامح.

والصنف الآخر من الأسرار والعلوم هو ما أمروا بتبليغه، فإنّهم لم يجدوا له موضعاً حتى قال عليه السلام: «…وَإِنَّ عِنْدَنَا سِرّاً مِنْ سِرِّ اللهِ – وَعِلْماً مِنْ عِلْمِ اللهِ أَمَرَنَا اللهُ بِتَبْلِيغِهِ فَبَلَّغْنَا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا أَمَرَنَا بِتَبْلِيغِهِ فَلَمْ نَجِدْ لَهُ مَوْضِعاً وَلاَ أَهْلاً وَلاَ حَمَّالَةً يَحْتَمِلُونَهُ حَتَّى خَلَقَ اللهُ لِذَلِكَ أَقْوَاماً خُلِقُوا مِنْ طِينَةٍ خُلِقَ مِنْهَا».(الكافي الشريف:١/٤٠٣)

ومَن سوى هذه القلة المؤمنة، فقال عليه السلام: «…إِنَّ اللهَ خَلَقَ أَقْوَاماً لِجَهَنَّمَ وَالنَّارِ فَأَمَرَنَا أَنْ نُبَلِّغَهُمْ كَمَا بَلَّغْنَاهُمْ وَاشْمَأَزُوا مِنْ ذَلِكَ وَنَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ وَرَدُوهُ عَلَيْنَا وَلَمْ يَحْتَمِلُوهُ وَكَذَّبُوا بِه…».(الكافي الشريف:١/٤٠٤)

إنه إذاً عالم الأسرار!

فقسمٌ من العلوم أمرهم الله ببلاغها فقبلته فرقة واشمأزت منه أخرى.. وقسم اختصهم الله تعالى به، ضلت العقول وحارت الألباب عن وصف شأنٍ من شأنه!

وكانوا أسراراً حملة للأسرار.. فورد في زيارة الإمام الكاظم عليه السلام: «…السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا سِرَّ اللهِ الْمُسْتَوْدَع…».(بحار الأنوار:٩٩/١٦،ح١٠)

وأخبروا عن أنفسهم بأنهم: موضع سرّ الله. وأنهم: الباب المأمون على سرّ الله المكنون.

فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الثُمَالِيُ عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهما السلام قَالَ: «لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ حُجَّتِهِ حِجَابٌ فَلاَ للهِ دُونَ حُجَّتِهِ سِتْرٌ نَحْنُ أَبْوَابُ اللهِ وَنَحْنُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَنَحْنُ عَيْبَةُ عِلْمِهِ وَنَحْنُ تَرَاجِمَةُ وَحْيِهِ وَنَحْنُ أَرْكَانُ تَوْحِيدِهِ وَنَحْنُ مَوْضِعُ سِرِّهِ».(معاني الأخبار:٣٥)

ثم ما لبث المؤمن أن رأى نفسه أمام حُجُبٍ مغلقة فسَلَّمَ بأنه قرين الملائكة في لزوم الإقرار بالجهل.. أما الملائكة فلقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُون}.[البقرة:٣٣]

وأمّا الإنس فلقوله عز وجل: {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون}.[آل عمران:٦٦]

فأنّى لنا أن نحيط خبراً بأسرار الله تعالى! أفلا تكون عاشوراء التي قلبت كل الموازين سراً من سر الله؟ أم كيف يمكن أن نفهم مفردة من مفرداتها؟ حسبك ما قاله جبرئيل لسيد الكائنات في وصف ما جرى يوم عاشوراء..

مجلة الوارث

فقال عليه السلام: «تَزَعْزَعَتِ الأَرْضُ مِنْ أَقْطَارِهَا وَمَادَتِ الْجِبَالُ وَكَثُرَ اضْطِرَابُهَا وَاصْطَفَقَتِ الْبِحَارُ بِأَمْوَاجِهَا وَمَاجَتِ السَّمَاوَاتُ بِأَهْلِهَا غَضَباً لَكَ يَا مُحَمَّدُ وَلِذُرِّيَّتِكَ وَاسْتِعْظَاماً لِمَا يَنْتَهِكُ مِنْ حُرْمَتِكَ… وَلاَ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ اسْتَأْذَنَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي نُصرَةِ أَهْلِكَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمَظْلُومِينَ… فَعِنْدَ ذَلِكَ يَضِجُ كُلُ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ بِلَعْنِ مَنْ ظَلَمَ عِتْرَتَكَ وَاسْتَحَلَّ حُرْمَتَكَ».(كامل الزيارات:٢٦٤)

كيف لنا أن نتصور ذلك على حقيقته فضلاً عن أن نحيط به؟! الأرض تتزعزع من أقطارها.. والجبال تميد.. والسماوات تموج بأهلها.. غضباً لما جرى على الحسين عليه السلام!! الجمادات تستأذن الله تعالى في نصرة سيد الشهداء!! ولما لم يأتها الإذن ضجت باللعن على ظالميه!!

ولئن أدركت عقولنا القاصرة شيئاً مما يصلح لتقريب الصورة إلى الذهن، وإقناع المخاطَب أو المستمع، فأنّى لها أن تدرك حقيقة قول سيّد الشهداء عليه السلام: {…رَبِّ إِنْ تَكُنْ حَبَسْتَ عَنَّا النَّصْرَ مِنَ السَّمَاءِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ وَانْتَقِمْ لَنَا مِنْ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ الظَّالِمِين…».(الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد:٢/١٠٨)

نعم لا نُعْدَم فهماً تقرّ به قلوبهم وتطمئن به نفوسهم، ويلجمون به عدوهم، يستند إلى الحجة والبرهان التي توارثوها عن العترة الطاهرة.. فإننا تَلَمَّسنا حِكَماً من أفعال المعصوم عليه السلام وأدركنا وجوهاً محتملة للكثير من تلك المفردات منها:

١. إخراج النساء والأطفال إلى عاشوراء حيث تمت الحجة بذلك وتكامل دور المأموم مع الإمام.

٢. امتناع العباس عليه السلام عن شرب الماء عطشاناً مواساةً لإمام زمانه.

٣. حمل الحسين عليه السلام الطفل الرضيع واستسقاؤه له وإظهار خلو القوم من الإنسانية مطلقاً.

٤. التمييز بين التصبّر أمام العدو الشامت تارة، وبين إظهار الحزن والجزع وحتى الإدماء تارة أخرى.

وغيرها العشرات بل المئات مما يعرفه أطفالنا وعوامنا فضلاً عن علمائنا إجابات متعددة عن وجه الحكمة فيها ولو على سبيل الاحتمال.

فإنّنا لم ندّع يوماً أنّنا نفهم هذا فهم إحاطة .. وكيف نحيط بأسرار الله تعالى؟! وكيف نقيس أفعال المعصوم عليه السلام على أنفسنا؟!

إنّنا مُسَلِّمون لله ورسوله وعترته.. تنزّهنا عما نَهَجَه الأراذل حساد آل محمد عليهم السلام الذين صاروا مصداقاً لقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيما}.[النساء:٥٤]

وقد طهّرنا قلوبنا بحبّ آل محمد عليهم السلام فيما دنّسها غيرنا بحسدهم.. فحمل الحسد وطلب الدنيا أولئك على (الجحود والإنكار).

فمنهم من لبس لباس العدو فكان قاتلاً للحسين عليه السلام ولشيعته على مر التاريخ! ومنهم من لبس لباس الصديق فسلك منهج التشكيك بنهج محمد وآل محمد!

ولا نزال نعيش آثار يوم الطف، حينما قتلت أمة الرسول سبطه فقال جبرئيل عن هذه الأمة: «يَضْرِبُهَا اللهُ بِالاخْتِلاَفِ فَتَخْتَلِفُ قُلُوبُهُمْ».(كامل الزيارات:٦١)

وقال أصدق من أقلّت الغبراء أبو ذر الغفاري: «إِنَّ اللهَ سَيَسُلُ سَيْفَهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ لاَ يَغْمِدُهُ أَبَداً وَيَبْعَثُ قَائِماً مِنْ ذُرِّيَّتِهِ فَيَنْتَقِمُ مِنَ النَّاسِ».(كامل الزيارات:٧٤)

اللهم عجل لوليك الفرج واجعلنا من المنتقمين معه.

شاهد أيضاً

المظلومية والانتصار

*الشيخ إسكندر الجعفري قد لا تكون المظلومية دائماً سبباً للانتصار، لانَّ المظلوم أحياناً يسهم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *