البحث في فهارس مكتبة العتبة الحسينية المقدسة من الكتب والمجلات والرسائل الجامعية:

فواتح سورة الكهف.. عِصمة من الدجَّال

فواتح سورة الكهف.. عِصمة من الدجَّال

* الشيخ عبد الرحمن العقيلي

من أخطر القضايا التي تهم الإنسان المؤمن على وجه البسيطة هي قضيّة الدجَّال، ومن المؤسف أنّها لم تنل استحقاقها من البحث، فحتّى وقت قريب كان البحث فيها روائياً بحتاً، فيكفي أنْ تأتي بالأحاديث التي تناولت الدجَّال وتسطرها وتفهمها على ظاهرها لتقول:
هذا هو الدجَّال فاحذروه! وما هو مأثور في(الدجّال) يحتاج دراية وفهماً صحيحاً، وقد كان يُعتقد إلى وقت قريب بأنّ الدجَّال كما هو ظاهر الروايات رجل كذّاب، له مواصفات خاصّة، وهو عظيم الجسم له قوى خارقة لم تكن حتى لبعض الأنبياء!!
ولمّا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله قد روى ما يحدث في العالم إلى يوم القيامة كما روى زيد بن أرقم في حديث الغدير «أمَر رسول الله – صلَّى الله عليه وآله – بالشجرات فقمّ (كنس)، ما تحتهن، ورش، ثم خطبنا، فوالله ما من شيء يكون إلى يوم الساعة إلّ أخبرنا به يومئذ ».(خلاصة عبقات الأنوار: 7/ 389 )
فإذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله قد أخبر الأُمَّة عن كلِّ ما يكون إلى يوم القيامة، فأين ذكر المخترعات الحديثة في الأخبار على سبيل المثال؟ وهي أُمور ملفتة للنظر بل هي زبدة ما أبدعه البشر في المجال التقني في تاريخ الإنسانية الطويل، مثل الطائرة والباخرة والصواريخ والأقمار الصناعية وسائر المخترعات الأُخرى والتي غيرت وجه البشرية إلى الأبد؟
وإذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا مِنْ فِئَةٍ تَبْلُغُ مِائَةَ رَجُلٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّ وَأَنَا عَارِفٌ بِقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا ».(كتاب سليم: 2/ 942 )
فأمير المؤمنين عليه السلام يعرف كلَّ فرقة تبلغ مائة فرد فما فوق (كما هو ظاهر العبارة) ومن هذه الفِرَق الضالة ما يكون في الجانب الغربي للكرة الأرضية (في العالم الغربي)، ومنها ما في الجانب الشرقي من الكرة الأرضية (في العالم الأصفر)، ومنها ما في مجاهل إفريقيا، ومنها ما يكون قريباً من القطب الشمالي.
فإذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يعلم كلَّ هذا فأين ذكره في الأخبار؟ وهل يعقل أنّ الناس تسمع هذا الكلام ولا تسأل عنه أبداً، أو أنّ أمير المؤمنين عليه السلام تكلم عن هذه الفرق ولم يصلنا عنها شيء؟
أليس هذا هو الأقرب للواقع؟!


وكذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وآله، فقد تكلّم عن كلّ ما يحدث من الأُمور الملفتة للنظر، والتي لها إسقاط على حياة الناس إلى يوم القيامة، وتمثل انعطافة وعلامة فارقة في مسيرة الإنسان، لكنّه النقل!!
فكم رواية شُوهت معالمها بعدم فهم السامع أو الناقل ولكن قد نجد لهم العذر في بعض الموارد، إذ يقول النبيُّ صلَّى الله عليه وآله: «إِنَّا مَعَاشِرَ الَْأنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ ».(الكافي الشريف: 1/ 23 ) فالنبيُّ كان يشبّه لهم هذه المخترعات، وهي الصواريخ والدبابات والأقمار الصناعية والبواخر الضخمة والغواصات، بما يشاهدونه يومياً من جمال وشياه وماعز وسائر الأمُور الأخُرى والتي لا يفقه البدويُّ غيرها!!
وهذا له دخل أساسي بموضوعنا (الدجّال)، فمصطلح الدجَّال أصل يضم بين جنبتيه معاني، أغلبها جاء مقصوداً بالإشارة إليه في الأخبار، قال ابن منظور: (دجَّال: أي كذاب، وهو من ذلك لأنّ الكذب تغطية…
والداجل: المموه الكذّاب، وبه سمّي الدجَّال. والدجّال: هو المسيح الكذّاب، وإنّما دجله سحره وكذبه. ابن سيده: المسيح الدجَّال رجل من يهود يخرج في آخرهذه الأُمَّة، سمّي بذلك لأنّه يدجل الحق بالباطل، وقيل: بل لأنّه يغطّي الأرض بكثرة جموعه، وقيل: لأنّه يغطّي على الناس بكفره، وقيل: لأنّه يدّعي الربوبية، سُمّي بذلك لكذبه، وكلُّ هذه المعاني متقاربة، قال ابن خالويه: ليس أحد فسّر الدجَّال أحسن من تفسير أبي عمرو قال: الدجَّال المموِّه، يقال: دجلت السيف موّهتُه وطليتُه بماء الذهب).(لسان العرب: 11 / 236 ) وكلُ هذه المعاني صحيحة كما سيتَّضح.
وقال الزبيدي: (قيل: هو من دَجَل الرجل: إذا قطع نواحي الأرض سيراً. قال أبو العباس: سمّي دجالاً لضربه في الأرض، وقطعه أكثر نواحيها… أو من الدجَّال، كسحاب، للسرجين سمّي به لأنّه ينجس وجه الأرض). (تاج العروس: 14 / 228 )


وقبل الدخول في تفسير الروايات الواردة في المقام يجب أنْ نقرر حقيقة مهمة، وهي أنّ الله أجلّ وأعظم من أن ينزّل إلى الناس مخلوقاً هائلاً اسمه (الدجّال) فيأمر الشمس بالمسير معه فتستجيب! وكذلك السحاب، ويدّعي الربوبية ويتلاعب بالنظام الكوني بالمعجزة، كما تروي الروايات، وبعدها يطلب الله من الناس التمييز بينه من جهة وبين المعصوم والنبيِّ من جهة أُخرى!
فكيف يستطيع المكلف التمييز بين الصادق والدجال مع مشاهدته أنّ الطرفين يقومان بالمعاجز نفسها؟ ومن المعروف أنَّ الإعجاز سمّي بذلك لكونه يعجز الكاذب من الإتيان بالمثل، فالمعجزة هي الأمر الخارق المصاحب للدعوى المقرون بالتحدي، فإذا كان الدجَّال قادراً على المعجزة أنّى شاء بطل التكليف، وهذا باطل بداهة، فعلمنا من هذا أنَّ الدجَّال ليس ما فهموه، وما عليه ظاهر الروايات، بل إنَّ للروايات تأويلاً مقبولاً ولطيفاً، بل هو إعجاز غيبي وفتح في بابه إنْ ثبت.


بعد هذا نقول: إنْ كان الأمر كذلك فيجب ألا تؤخذ الأخبار التي تقول إنّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله رأى الدجَّال رأيَ عين (كما في بعض الأخبار) لسبب بسيط وهو أنّه ليس هناك دجال متجسد يراه النبيُّ! بل إنّ النبيَّ رأى رؤيا والمعروف أنّ الرؤيا للصالحين عامة (والأنبياء خاصة) تأتي بعضها في صور مثالية للمجردات، فيرون الموت متجسداً بجسم أو آلة، والرزق كذلك، والخير مثله وهو المعروف من العرفاء.
وقد جاء في الأثر أنّ الموت يتحول إلى كبش ويذبح بعد الحساب في يوم القيامة فيقال لأهل الجنة خلود لا موت ويقال لأهل النار خلود لا موت.
وحتى لو لم تكن رؤية الدجَّال التي رآها النبيُّ في المنام بل في اليقظة فإنّنا لا ننفي تجسد المعنويات والمجردات في قوالب مادية كما كان الأمر في الموت والحياة وأمثالها من الأُمور التي رآها النبيُّ صلَّى الله عليه وآله ليلة الإسراء والمعراج.
روي عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله أنّه قال عن الدجَّال: «رأيته بَيْلَمَانيًّا أقْمَر هِجَاناً، إحْدَى عينيه كأنَّها كوكب دُرّي ». (الفايق في غريب الحديث: 1/ 114 ).
ولا يمكن بحال من الأحوال أنْ يكون الكلام حقيقة، بل إنّ الناقلين للروايات أفسدوا كثيراًمن المعاني الجميلة التي يراد إيصالها من المعصومين عليهم السلام، وذلك لأنّ هؤلاء الرواة لم يفهموا مراد المعصوم فروى كلُّ راوٍ بما اختلط لديه من عناصر الثقافة الذاتية، والتي نعلم يقيناً أنّها ستشوه الكلام المنقول.
وروى ابن سلامة في مسنده عن أبي هريرة عن النبيِّ صلَّى الله عليه – وآله – وسلم قال: «مَا يَنتَْظِرُ أَحَدُكُمْ إلَِّا غِنًى مُطْغِياً، أَوْ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَما مُقَيّدِاً، أَوْ مَوْتا مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّالَ، فَالدَّجَّالُ شَرٌّ غَائِبٌ يُنتَْظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَر ». (مجموعة ورام: 1/ 279 )
وروى الشيخ الصدوق رحمه الله بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قام إليه الأصبغ بن نباتة فقال: يا أمير المؤمنين: من الدجَّال؟ فقال عليه السلام: «أَلَا إِنَّ الدَّجَّالَ صَائِدُ بْنُ الصيَّْد ». (كمال الدين وتمام النعمة: 2/ 526 ).
وابن صيد هذا صحابي معروف كان معاصراً للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله واسمه في بعض الكتاب (ابن صيّاد) أو صائد بن صائد، فلو كان ظاهر الخبر صحيحاً فكيف يقول النبيُّ في رواية أبي هريرة (إنَّ الدجَّال شرٌّ غائبٌ) مع أنّه يعيش بينهم وهو صائد بن صيد؟!

مجلة الوارث - العدد 104


روى الشيخ المجلسي قدس سرّه في البحار عن أبي سعيد الخدري: أنّه قال: (صحبت ابن صيّاد إلى مكة فقال لي: ما لقيت من الناس؟ يزعمون أنِّي الدجَّال! ألست سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله يقول «إنّه لا يُولد له »، وقد وُلد لي، أليس قد قال هو كافر؟ وأنا مسلم، أوليس قد قال: «لا يدخل المدينة ولا مكة » وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة). (البحار: 52 / 199 )
فالمسكين ابن صيد كان معاصراً لقوم لم يفرّقوا بين ألفاظ المعصوم (مع دقتها) فاتهموه بأنّه هو الدجَّال.
والراجح أنّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام لم يقولا إنّ (الدجال هو ابن صائد) كما ذكرالمجلسي في روايته، بل إنّهما شبّها الدجَّال بصائد بن صيد لجهة شبه بين ابن صيد وبين القالب المثالي الذي رأوه به، وتشبيه النبيِّ صلَّى الله عليه وآله بعض الشخصيات الغائبة (أو الأُمور الغائبة) بالصحابة أمر شائع بالأخبار ففي الرواية: «فيبعث الله عزَّ وجلَّ عيسى ابن مريم عليه السلام كأنَّه عروة بن مسعود الثقفي ».(معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام للكونلي: 2/ 111 )
فهنا شبه النبيُّ صلَّى الله عليه وآله المسيح عليه السلام بالصحابي عروة بن مسعود، ولكون المقام المقدس للمسيح غير متصوّر لم يكن هناك داعٍ اجتماعي عند الناس بأنّ ابن مسعود هو المسيح لكونه غير متصور عند الناس، بخلاف تشبيه الدجَّال بابن الصيد، إذ كانت هناك دواعٍ اجتماعية منطلقة من الجو الذي يلفه التخلف، وعدم الدقة بالمرويّات بالعصر الأول للإسلام، وإثارة الخبر والتشبيه!
إذ لم يعلموا بعد أهمية الروايات التي سمعوها من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله إلّا بعد مضي زمن على وفاته.

روى مسلم في صحيحه (عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه – وآله – وسلم يقول: «بينما أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر بين رجلين ينطف رأسه ماء أو يهراق رأسه ماء قلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مريم، ثمَّ ذهبت التفت، فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعور العين كأنّ عينه عنبة طافية قلت من هذا؟ قالوا: الدجَّال أقرب الناس به شبها ابن قطن). (صحيح مسلم: 1/ 156 ).
وزاد أحمد بن حنبل: (ابن قطن رجل من بني المصطلق). (مسند أحمد: 2/ 122 ).
فالرواية هنا صريحة بالرؤيا، وهي نصٌّ في المقام، وفيها زيادة عن ذلك تشبيه الأعور الذي رآه النبيُّ في الدجَّال بخلقة الصحابي ابن قطن (والظاهر أنهّ كان أعوراً).
وفي رواية عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله أنّه قال: (إنّه شاب قطط، عينه طافئة، كأنّي أشبّهه، بعبد العزّى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتيح سورة الكهف). (معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام: 2/ 13)
هنا الراوي لم يصرّح بأنّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله رأى الدجَّال في المنام، وأغفل الراوي أهمّ جزء بالرواية
فضاعت معالمها وملامحها فلم تعطِ المرجو منها للفهم، على أنّ ابن قطن هذا قد نال تشبيهاً آخر بعمرو بن لحي وهو أوّل من غيّر دين العرب إلى الشرك).
(المحبّر لمحمد بن حبيب البغدادي: 99). ومرة أُخرى شبّه النبيُّ صلَّى الله عليه وآله عين الدجَّال بعين الصحابي أبي يحيى فقال: (وإنّه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً آخرهم الأعور الدجَّال ممسوح العين اليسرى كأنّها عين أبى يحيى).
(المستدرك على الصحيحين: 1/ 330 . معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام: 2/ 32 )


فعلى هذا فإنّ تشبيه الدجَّال بابن الصيد تارة وابن قطن أُخرى وبأبي يحيى تارة ثالثة ما هو إ لا لشبه معين أراد النبيُّ صلَّى الله عليه وآله إيصاله من أقرب طريق لا أكثر! ومن القرائن على ذلك هو نصيحة النبيِّ صلَّى الله عليه وآله بقراءة فواتيح سورة الكهف، إذ ورد عنه صلّى الله عليه وآله: (إنّه شاب قطط، عينه طافئة، كأنّي أشبّهه، بعبد العزّى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتيح سورة الكهف). (معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام: 2/ 13 ).
وفي رواية أُخرى لمن أدرك الدجَّال قال: «من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، أُعطي نوراً من حيث يقرأها إلى مكة، وغفر له إلى يوم الجمعة الأُخرى، وفضل ثلاثة أيام، وصلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وعوفي من الداء، والدبيلة، وذات الجنب، والبرص والجذام، وفتنة الدجَّال ». (إعانة الطالبين للدمياطي: 2/ 103 )
ونقل العلامّة الحلّي عن بعض كتب القوم عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كلِّ بلية فإنْ خرج الدجَّال عُصِم منه ». (منتهى المطلب: 1/ 338 )
والظاهر أنّ هذه الأحاديث المرشدة لمواجهة الدجَّال بسورة الكهف أو فواتيحها تضمّ مفتاح الفهم الصحيح لماهيّة الدجَّال لمن تأمل!

شاهد أيضاً

التوبة عودة الإنسان إلى فطرة الله

التوبة عودة الإنسان إلى فطرة الله

*بقلم: الشيخ حيدر الشمري كثيراً ما أخذت تتوارد عبارة العودة إلى الذات في الكتابات التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *