مقتبس من رسالة للشهيد الثاني في السير والسلوك الى الله سبحانه

الأخلاق
السير والسلوك إلى الله تعالى

يقول‌ العالم‌ الجليل الزاهد التقي زين الدين‌ العاملي‌ الشهيد‌ الثاني في مقاطع‌ من‌ رسالته القيمة في بيان‌ الحديث‌ النبوي: (الدنيا مزرعة القيامة) : (… ولا يخفى أنّ الزرع في هذه الدار للآخرة إنما هو‌ الأعمال‌ الصالحة… وزمان هذه المعاملة: العمر، وكسبها‌ وتحصيل‌ غلتها: الجنة‌، الدائم‌ أُكلها‌، الخالية عن شوب الأكدار‌ والنقائص والهم والغم… وبالجملة كل ما يطلبه الطالب أو يتصور طلبه فهو حاصل فيها، وكلّ‌ ما‌ يهرب عنه فهو منفي عنها، وحيث‌ كان‌ البذر‌ هو‌ الطاعات‌ والمعأرض، فمحل البذر‌ وأرضـه‌ هو النفس الإنسانية، وتكليفها بهذه العبادات بمنزلة تقليب الأرض وإعدادها للزراعة وسياقة الماء إليها.

والنفس المستغرقة‌ بحب‌ الدنيا‌ والميل إليها كالأرض السبخة التي لا تقبل‌ الزرع‌ والإنبات‌… وهكذا‌ حال‌ العبد‌ إن بذر المعأرض والأعمال الصالحة في أرض نفسه في وقته وهو مقبل العمر، وداوم على سقيه بالطاعات واجتهد في طهارة نفسه عن شوك الأخلاق الردية التي تمنع‌ نماء ما زرع، وانتظر من فضل الله أن ينتهي على ذلك الى زمان وصوله وحصاد عمله، فذلك الانتظار هو الرجاء المحمود وهو درجة السابقين… وإذا لم يزرع في نفسه أصلاً، أو زرع‌ ولم‌ يسقه بماء الطاعة، أو ترك نفسه مشغولة بشوك الأخلاق المذمومة وانهمك في طلب آفات الدنـيا ثـم انـتظر المغفرة والفضل من الله تعالى، فذلك‌ الرجاء‌ غرور وليس برجاء في الحقيقة… واعلم‌ أن‌ أوامر الله على فرائض ونوافل، فالفرائض رأس المال وبه أصل التجارة، والنفل هو الربح وبه الفوز بالدرجات، قال رسول الله ــ صلى الله عليه وآله‌ وسلم‌ ـ: قال الله تعالى «ما‌ تقرب‌ إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به)».

ولن‌ تصل أيها الطالب الى القيام بأوامر الله تعالى إلاّ بمراقبة قلبك وجوارحك في لحظاتك وأنـفاسك من حين تصبح الى حين تمسي، وأعلم أنّ الله تعالى يطلع على ضميرك ومشرف على ظـاهرك‌ وباطنك… فتأدب‌ أيها المسكين ظاهرا وباطنا بين يدي الله تعالى تأدب العبد الذليل في حضرة القاهر القادر، واجتهد أن لا يراك مولاك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، فذلك هو‌ التقوى‌ التي‌ أمر الله تعالى بها، ولا يتم لك ذلك إلاّ بأن تخصص عمرك القصير، بأن توزع أوقاتك وترتب ‌‌أورادك‌ من صباحك الى مسائك، فاصغ الى ما يلقى إليك من أوامر الله تعالى‌، فإذا‌ استيقظت‌ من منامك فاجتهد أن تستيقظ قبل طـلوع الفجر، وليكن أول ما يجري على قلبك ولسانك‌ ذكر الله تعالى، وقل عند ذلك:

«الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا‌ وإليه النـشور، أصبحنا وأصبح‌ الملك‌ للّه، والعظمة لله والسلطان لله والعزة لله والقدرة للّه، أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما‌ وما كان من المشركين. اللهم إنا نسألك أن تبعثنا في هذا اليوم الى كل خير، ونعوذ بك أن نـجترح فيه‌ سوءا‌ ونجره الى مسلم بقول أو عمل، نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه ونعوذ بك من شره وشر ما فيه.

فإذا لبست ثيابك فانو به امتثال أوامر الله تعالى في‌ ستر‌ عورتك واحذر أن يكون قصدك مراءاة الخلق… ولا تدع الصلاة جماعة إلاّ من علة…».

شاهد أيضاً

لقد زرت مثوى الطهر

*أبي طالب الجعفري لقدْ زرتُ مثوى الطٌّهرِ في أرضِ كربلا—فدتْ نفسي المقتولَ عطشانَ صاديا ففي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *