دور أئمة أهل البيت عليهم السلام في التاريخ الإسلامي

آهل البیت علیهم السلام
دور أئمة أهل البيت عليهم السلام في التاريخ الإسلامي

من غير المشكوك فيه أبداً أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رحل إلى جوار ربه تعالى، وهو لما يستوف بعد المهمات التاريخية المناطة بالرسالة الإسلامية على المستوى النظري والعملي معاً.
(فعلى الصعيد النظري لم يتسن للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أن يبين للأمة الإسلامية سوى الخطوط العريضة للتشريع الإسلامي مضافاً إليها بعض التفصيلات الفقهية لعدد من المسائل الحياتية لإنسان الإسلام) فرداً وجماعة.
أما على المستوى العملي فإن الدعوة الانقلابية التي كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يباشرها لتغيير الواقع الاجتماعي فكراً وعملاً، وإنشاء الإنسان الرسالي الجديد في فكره ومفاهيمه وأنماط سلوكه، هذه المهمة لم تتحقق هي الأخرى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى على مستوى مجتمع عاصمة الدولة (المدينة المنورة) فضلاً عن أقاليم الدولة الإسلامية الأخرى كما يتضح ذلك من مجموع الأخطاء والسلبيات التي طفحت على سلوك عدد من الصحابة فضلاً عن عامة الناس (إذ لم يمض ربع قرن حتى بدأت التجربة الإسلامية التي تولى جيل المهاجرين والأنصار قيادتها تنهار تحت وقع الضربات الشديدة التي وجهها أعداء الإسلام القدامى، ولكن من داخل إطار التجربة الإسلامية لا من خارجها، إذ استطاعوا أن يتسللوا إلى مراكز النفوذ في التجربة بالتدريج ويستغفلوا القيادة غير الواعية، ثم صادروا بكل وقاحة وعنف تلك القيادة، وأجبروا الأمة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل عن شخصيته وقيادته، وتحولت الزعامة إلى ملك موروث يستهتر بالكرامات، ويعطل الحدود ويجمد الأحكام وأصبحت الخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بني أمية).
ومن المقطوع به أن قصر الفترة التي عاشها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني مجتمع المدينة لم تكن فيها الكفاية لتحقيق العملية التغييرية في ذلك المجتمع، ومن هنا فإن من بداءة الأمور أن يتخذ الإسلام موقفاً إيجابياً لضمان سلامة خط سير الحركة الإسلامية التاريخية وصحّة بناء الأمة الإسلامية وتعميق وعيها وانفتاحها على مطالب الرسالة الإلهية… وهذا لا يتأتى بطبيعة الحال إن لم تعهد القيادة الفكرية والسياسية إلى أشخاص ينهضون بالدور الذي نهض به الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم ويكون لهم من المؤهلات والصلاحيات ما يمكنهم من مواصلة الحركة التغييرية التي بدأها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الأمة على الصعيد العملي وبيان الأحكام الإسلامية التفصيلية في الحوادث المستجدة في مسيرة الأمة على الصعيدين الفكري والتشريعي.
ومن خلال هذا الوعي ينبثق خط الإمامة في الإسلام ليقوم الأئمة من خلاله بدورهم الطبيعي في دفع حركة الإسلام التاريخية باتجاه تحقيق أهدافها التغييرية الكبرى في دنيا الناس.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن خط الإمامة لم نكن لنعيه من خلال الضرورة التاريخية التي تفرضه كامتداد طبيعي للرسالة لابد منه لحماية الإسلام والأمة فحسب ولكنه إلى جانب ذلك يظل خطاً تشريعياً ذا أبعاد محددة طرحته الشريعة الإسلامية من خلال موقفين للرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

آهل البیت علیهم السلام1

أحدهما: (عملي)
تمثل في تبنيه للإمام علي عليه السلام منذ طفولته واعداده إعداداً روحياً ورسالياً خاصاً، ومارس توعية الإمام على المستوى القيادي للدعوة من بعده ليكون أهلاً لتولي مهام القيادة الفكرية والسياسية في الأمة بعد غياب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها ويبدؤه بالعطاء الفكري والتثقيف إذا استنفد الإمام أسئلته ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة، ومشاكل الطريق ومناهج العمل إلى آخر يوم من حياته الشريفة).
روى الحاكم في المستدرك عن أبي إسحاق: (سألت قثم بن العباس كيف ورث علي رسول الله قال: لأنه كان أولنا به لحوقاً وأشدنا به لزوقاً).

وثانيهما: (فكري)
تمثل بالبينات الرسمية التي أطلقها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ظروف ومناسبات مختلفة، لابراز خط الإمامة في الحياة الإسلامية، كحديث المنزلة: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي». وخطبة الغدير التي جاء بها: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». وحديث الثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
وكان من المفروض أن القيادة الإسلامية لهذه التجربة أن تواصل على يد الإمام علي عليه السلام ويد خلفائه من أئمة أهل البيت عليهم السلام نموها الثوري واحد بعد الآخر، وتقترب نحو اكتمال هدفها التغييري في اجتثاث كل رواسب الماضي الجاهلي وجذوره وبناء أمة جديرة على مستوى متطلبات الدعوة ومسؤولياتها.
وهكذا برزت أهمية خط الإمامة – بغض النظر عما ذكرنا في التاريخ الإسلامي عملياً بعد الحيلولة دون مباشرته لمهامه التاريخية على النطاق التشريعي.

النطاق التشريعي
فإن مواجهة الأمة لحاجات جديدة لا عهد لها بمثلها أيام التنزيل المبارك، قد حتم على ولاة الأمر بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يضعوا حلولاً ويقترحوا تشريعات تحمل الطابع الذاتي في الأعم الأغلب.
فالتجأوا إلى (الرأي) فيما لا نص فيه من خلال مفاهيم الاستحسان والقياس والمصالح المرسلة وغيرها، التي قادت إلى تبني أحكام مخالفة لمفاهيم إسلامية أصيلة، وقد صدرت تلك من صحابيين كبار ثم تتابع مسيرة العملية المذكورة، فأدى إلى تحريفات خطيرة في التشريعات الإسلامية كما في العهد الأموي.
على أن هذا اللون من الاجتهاد قد تحوّل إلى مدرسة معروفة كان قوام تفكيرها (العمل بالرأي) وقد جوبهت مدرسة الرأي برد فعل عنيف في الأوساط الفكرية مما أدى إلى ظهور مدرسة (الحديث) في الحجاز (والتي كانت تفضل أن تظل محافظة على المأثور من الحديث واجتهادات الصحابة والتابعين من بعدهم)، ولاعتقاد روادها أن العودة إلى الحديث كافية وحدها لتحقيق حماية الرسالة من التمييع الذي عانته من أنصار مدرسة الرأي.
وللمرء أن يقدر خطورة الموقف الذي عانت منه الشريعة وهي تعيش بين مدرستين إحداهما ذات طابع يتخذ الذاتية والرأي قاعدة له ومبرراً (دون أن تتقيد بما يعتبره الشراع في الاجتهاد، وكان في ذلك شيء كثير من الجرأة على الشريعة والتصرف بموازينها ومقاييسها التي تخرج عن متناول الفكر والرأي).
وأخراهما: ذات طابع جامع لم يلق للحوادث المستجدة في حياة الإنسان بالا وإنما تتوفق عند النصوص فحسب دون الأخذ بنظر الاعتبار ظلالها وإيحاءاتها وتطورات الحياة (والاعراض عن كل شيء ما عدا الكتاب والسنة كما يذهب إلى ذلك داود وغيره من الظاهرية)، الأمر الذي يبرز أهمية خط الإمامة في الحياة الإسلامية على الصعيد التشريعي لحماية الرسالة من مزالق الاتجاهين اتجاه (إدخال عنصر الرأي في مصادره التشريعية حيث يفقد التشريع صلابته وقوته وأصالته الإسلامية التي هي من خصائص التشريع الإسلامي، واتجاه (مدرسة الحديث) التي ذهبت إلى تجميد الشريعة والأخذ بظاهر النصوص، حيث أفقدت التشريع خاصيته على المرونة وقابليته لمسايرة الظروف الاجتماعية المختلفة).

شاهد أيضاً

لقد زرت مثوى الطهر

*أبي طالب الجعفري لقدْ زرتُ مثوى الطٌّهرِ في أرضِ كربلا—فدتْ نفسي المقتولَ عطشانَ صاديا ففي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *